تُظهر خريطة حديثة للأسواق العالمية في عام 2026 تفاوتًا واضحًا في مستويات المخاطر بين الدول، ما يعكس اختلاف العوائد التي يطلبها المستثمرون مقابل تحمل هذه المخاطر. إذ لا توفر جميع الأسواق نفس المعادلة بين العائد والمخاطرة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على قرارات الاستثمار حول العالم.
وتستند هذه البيانات إلى تقديرات البروفيسور أسواث داموداران، من جامعة نيويورك، حيث تقيس ما يُعرف بعلاوة مخاطر الأسهم، وهي العائد الإضافي الذي يتوقعه المستثمر مقابل الاستثمار في سوق معين ذات مخاطر أعلى. وكلما ارتفعت هذه النسبة، دلّ ذلك على ارتفاع مستوى المخاطر المرتبطة بالدولة.
وتكشف الخريطة عن فجوة كبيرة بين الدول؛ ففي حين تتراوح علاوة المخاطر بين 4% و5% في عدد محدود من الاقتصادات المستقرة، تتجاوز 30% في دول تعاني من اضطرابات سياسية أو أزمات اقتصادية حادة، ما يبرز حجم التباين في تقييم المخاطر على مستوى العالم.
تقييم المخاطر في الأسواق المختلفة تتصدر كل من بيلاروسيا ولبنان والسودان وفنزويلا قائمة الأسواق الأكثر خطورة عالميًا، حيث تبلغ علاوة مخاطر الأسهم فيها 30.9% لكل دولة. تليها مجموعة من الدول بنسبة 19.8%، تشمل بوليفيا وكوبا وميانمار وكوريا الشمالية وسريلانكا وسوريا وأوكرانيا واليمن، وهي دول تواجه تحديات تتراوح بين النزاعات المسلحة والعقوبات الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي. كما تسجل كل من الإكوادور وهايتي ومالاوي مستويات أقل نسبيًا عند 17.2%، لكنها تظل ضمن فئة الأسواق عالية المخاطر.
واعتمد داموداران في احتساب هذه المؤشرات على التصنيفات الائتمانية للدول، إلى جانب الفوائد الإضافية التي يطلبها المستثمرون عند إقراض الحكومات. وفي الحالات التي لا تتوفر فيها بيانات سندات حكومية، تم استخدام فروقات عوائد الأسهم في مؤشرات الأسواق الناشئة كبديل لتقدير المخاطر. وبعد ذلك، أُضيفت علاوة مخاطر كل دولة إلى التقدير الأساسي لعلاوة المخاطر في الأسواق المتقدمة.
وترتبط أعلى مستويات المخاطر عادة بالدول التي تشهد حروبًا أو عقوبات أو انهيارًا اقتصاديًا. ففي بيلاروسيا، ساهمت الاضطرابات السياسية التي أعقبت انتخابات 2020 في رفع مستوى المخاطر، بينما يعاني لبنان من انهيار اقتصادي ومؤسساتي حاد. ويشهد السودان حربًا أهلية منذ عام 2023 أدت إلى أزمة إنسانية واسعة، في حين تواجه فنزويلا تداعيات طويلة الأمد لسوء الإدارة الاقتصادية، خاصة في قطاع النفط.
في المقابل، تُصنف دول مثل كندا وألمانيا وسويسرا وسنغافورة والسويد وهولندا ضمن الأسواق الأكثر أمانًا، حيث تبلغ علاوة المخاطر فيها نحو 4.2%، ما يجعلها وجهات مفضلة للمستثمرين الباحثين عن الاستقرار.
وتسجل الولايات المتحدة علاوة مخاطر تبلغ 4.5%، وهي أعلى قليلًا من بعض الاقتصادات المتقدمة الأخرى، في إشارة إلى تأثير عوامل مثل الاستقطاب السياسي وتقلبات الأسواق المالية. ورغم ذلك، تظل ضمن مجموعة محدودة من 19 دولة فقط تقل فيها علاوة المخاطر عن 5%. ولا تبدو أوروبا كتلة متجانسة من حيث المخاطر، إذ تسجل دول الجنوب الأوروبي مستويات أعلى نسبيًا نتيجة تداعيات أزمة الديون التي بدأت في عام 2009. وتبلغ علاوة المخاطر في إسبانيا والبرتغال نحو 5.8%، وفي إيطاليا 6.7%، بينما تصل في اليونان إلى 7.1%.
وعلى صعيد سلوك المستثمرين، لا يتجه الجميع نحو الأسواق عالية المخاطر، إذ تميل المؤسسات الكبرى مثل صناديق التقاعد إلى تجنب هذه البيئات بسبب التزاماتها تجاه المدخرات طويلة الأجل. وغالبًا ما تكتفي هذه الجهات بالتعرض غير المباشر لتلك الأسواق عبر أدوات استثمارية متنوعة تسمح بتقليل المخاطر.
في المقابل، يركز المستثمرون الأكثر تقبلًا للمخاطر على الدول التي تُظهر مؤشرات على الاستقرار أو الإصلاحات الاقتصادية والتجارية، إلى جانب توافقها مع الاتجاهات العالمية طويلة الأمد، باعتبارها فرصًا محتملة لتحقيق عوائد مرتفعة رغم المخاطر المرتبطة بها.
هذا المحتوى مقدم من العلم
