الحقيقة الضائعة | المعركة الأخيرة لموحى وحمو الزياني

تفاجأنا في الأسبوع بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة الحقيقة الضائعة التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

إن معارك خنيفرة سنة 1914 بقيت مسجلة في التاريخ العسكري الفرنسي بدماء المئات من القتلى.. وأصبح الزيانيون يشكلون الخطر على حياة الفرنسيين الذين سقطوا في مصيدة خنيفرة.

لقد دام الحصار شهرين، وكانت آخر معركة بالسلاح الأبيض كما سبق ذكره يوم 20 غشت، وبقي حصار زيان مضروبا على الفرنسيين بخنيفرة شهرين إلى أن كانت المفاجأة التي لم تكن تخطر ببال الفرنسيين ولا يعرفون لها تفسيرا.. إنها ظهور عنصر جديد اسمه موحى وحمو الزياني، الذي سمعوا باسمه في شهر نونبر 1914، وقد أتى بجيوشه واستقر في الهري، عشر كيلومترات جنوب خنيفرة.

ولم يكن أحد من الضباط الفرنسيين يعرف ماذا يعني اسم موحى وحمو، فتطوع الكولونيل لافيردور لمواجهته، وراهن على اختطافه، وشكل الكولونيل الفرنسي فرقة عسكرية جرارة خرجت سرا من خنيفرة يوم 13 نونبر 1914 في الثالثة صباحا.

وكانت النتيجة، التي لم يحسب الكولونيل المتطوع حسابها.

لقد اشتبك الجانبان وكانت الحصيلة الأولى موت 33 ضابطا و580 جنديا، وتحطيم ثمانية مدافع وعشر رشاشات كبرى، وضياع مئات البنادق، وسقوط 175 جريحا.

وهب الجنرال هنريس مهرولا لإنقاذ الموقف، وهب الكولونيل دوبلسيس من تادلة، والكولونيل دوريكوان من مكناس.. كلهم جاؤوا لمشاهدة قتلى الهري ومحاولة تصديق هذه الكارثة. وفعلا كانوا جنرالات وكولونيلات يتعرفون على كبار الضباط الذين سقطوا برصاص هذا الموحى وحمو، وفعلا عَدُّوهم واحدا واحدا: في مقدمة القتلى: الكولونيل لافيردور؛ الكومندانات: دورميلات، كولونا، وفاك؛ القبطانات: سيدو أويو، بوميي، بيكران، برتراند، فيتوريل، الكارد، روا، ولوكاموس؛ الليوتنان: براسيلاخ، إيمون، مونتيك، لاباس، ديفليديو، كامبي، شافود، لاكالونيك، لونيس عمار، سيفريي، كوهان، أنصيل، وهانوس؛ الأطباء: الدكتور سوفي، الدكتور شامونتان، والدكتور إيرو؛ الضباط الصغار: كونيغ، لورفوفر، وداوود عيسى؛ والمتصرف الإداري روكس.

إنها كارثة لم تحصل لفرنسا في أي معركة من معارك الحرب العالمية الأولى التي كانت تدور رحاها في تلك الأثناء.

وهكذا نرى كيف سعى الغرور الفرنسي بقدمه إلى حتفه، فإن معارك الهري وجنبات مدينة خنيفرة ابتداء من 20 غشت 1914، والخسائر الفادحة التي تكبدها الجيش الفرنسي، لم تكن تخطر ببال أي واحد من عشرات الجنرالات الذين كانوا ينطلقون من موقع القوة، ولم يكن أي واحد منهم يظن أن المثل المغربي القائل: كل ما أكلته المعزة في قرون الجبال تدفعه عند الجزار قد ينطبق عليهم.

لقد كان الفرنسيون يستصغرون خسارة عشرات الضباط ومئات الجنود في عشرات المعارك، ولكنهم لم يستسيغوا خسارة عشرات الضباط ومئات القتلى في معركة واحدة.

ومرة أخرى، نجد الفرنسيين يسقطون في مرتع التضامن الوطني المغربي.

فعائلة أمحزون، التي ينتمي إليها موحى وحمو الزياني، كانت حليفة السلطان المولى الحسن الأول، شاركته أفكاره ومخططاته، ووضعت سلاحها في خدمته، ورصت علاقتها به بمصاهرته، وهو ارتباط لا زال قائما إلى الآن في أيام الملك الحسن الثاني.

وإذا كان أغلب المغاربة لا يعرفون سر الحرص السلطاني على الارتباط المتين بقبائل زيان، فإننا لا نعذر الفرنسيين في عهد ليوطي على جهلهم لتلك الصلات، بينما الحقيقة هي حرص السلطان، قديما وحديثا، على الترابط بقبائل زيان توطيدا للوحدة الوطنية وترصيصا لصفوفها في نفس الوقت، وبالنسبة لتلك المرحلة، إقبارا للعداوة المتأصلة بين قبائل بني مطير وزيان، وهي عداوة لم تذب إلا أمام شخص السلطان، وفي ميادين الجهاد ضد المحتل الأجنبي.

إن موحى وحمو قبل أن يكون الثائر الذي ذكرته الأساطير الفرنسية نثرا وشعرا (كتاب موحى وحمو الزياني لفرانسوا بيرجي)، هو بالدرجة الأولى قائد زيان (أيت يعقوب) بظهير من السلطان الحسن الأول، ومتزوج من عائلة فاسية، وبنته لالة رابحة كانت زوجة للسلطان مولاي حفيظ، سلطان الجهاد، كان يعيش مع أفراد عائلته المجاهدة في أمن وأمان، إلى أن جاءت القوات الفرنسية التي أخرجته من بيته في خنيفرة، فأخرج 623 ضابطا وجنديا فرنسيا من الحياة في يوم واحد.

وقد رأينا كيف خاضت القبائل كلها معارك 1913 و1914، وما تلاها من معارك سيأتي ذكرها، وكانت قبائل الأطلس كلها جنبا إلى جنب في وجه المحتلين، وهو واقع أخذ يلمسه الفرنسيون بعد سنوات طويلة من الممارسة، أنهاها جلاد المغرب، الجنرال جوان، باستخلاصه الذي نقله في كتابه: البرابرة المغاربة وحرب الأطلس ، فقال: ((إن الإنسان المغربي في الأطلس يعتبر أحسن محارب في إفريقيا الشمالية، ويكره كل تدخل أجنبي لأنه شجاع حتى الموت، ويعرف كيف يضحي بأملاكه وعائلته، ويقدم حياته رخيصة من أجل حريته)).

جوان في نفس الكتاب وصف معركة الهري بأنها ((أكبر خسارة عرفتها الجيوش الفرنسية في شمال إفريقيا)).

لكن المؤرخ الاستعماري موني سابين، مؤلف كتاب: السلام بالمغرب ، (إصدار: جول طايانديي)، كان أكثر تقشفا في كتابه عن معركة الهري، التي مسخها كما يلي: ((إن موحى وحمو بدلا من أن يستسلم لنا، لجأ إلى الجبال مع أنصاره، وبقيت كل المحاولات لإخراجه فاشلة على مدى سنوات طوال)).

ذلك أن ظاهرة موحى وحمو الزياني لم تكن في حسبان مخططي برنامج الاحتلال، الذين وضعوا في حسابهم عنصر القضاء على الزعامات التقليدية التي لا يمكن للقوات الفرنسية أن تعيش معها، ولا أن تنفذ معها برنامجها.

فموحى وحمو هذا كان في نظر الفرنسيين مجرد قائد إقطاعي ، وعندما خاض الكولونيل مانجان، في 23 مارس 1913، معارك ضارية تكبد فيها خسائر كبرى غير بعيد من وادي زم، وقيل له أن رئيس الثوار يسمى الزياني، ولد موحى وعقا، تساءل فقط عن تواجد مجاهدين زيانيين في بطاح وادي زم.

وعندما جاء ليوطي في أعقاب معركة الهري، شهرين بعد حصولها، إنما جاء للتأكد شخصيا من أن أسلحة الجيش الفرنسي، وبِدَل العساكر الفرنسيين ونياشين الضباط، تباع في أسواق الأطلس كالخردة، هي الظاهرة الوحيدة التي أثرت على ليوطي وحكاها في مذكراته التي كتبها عنه أندري لوريفيران.

ولكن ليوطي الجبار لم يكتب في مذكراته أنه وهو في خنيفرة كان يحس بأنه تحت أنظار موحى وحمو، الذي كان مستقرا مع جيوشه على بعد خمسة عشر كيلومترا من خنيفرة، وأن البربر المسالمين الذين كانوا يقدمون التحايا لليوطي وهو في خنيفرة، كانوا كلهم يدينون بالولاء للرجل الذي هزم الفرنسيين، وتلك طبيعة المغاربة، دائما يقدسون البطل.

وكانت زيارة ليوطي دراسية.. فقد سأل عن القبائل التي شاركت في معركة الهري وذكروا له أسماءها: زيان، أيت إسحاق، إيشكيرن، وخاصة أولاد موحى وحمو: حسن، ميمو (ولد الفاسية)، ومحمد حمو، وهنا وضع ليوطي أصابعه على شنباته وجذبها بعنف.

إن دراسة الأوضاع العائلية والقبلية والتلاعب على المصالح بالثروات، هو الحل الوحيد لمشكل الزعامات التقليدية.

وبينما كانت ظاهرة موحى وحمو تزداد استفحالا، إذ انتشر أولاده في مختلف جنبات المغرب يخوضون المعارك ضد المحتل الفرنسي، كانت الخيرات الفرنسية تتسلل إلى أوساط أولئك الأبناء، وتنفث فيهم سموم المصالح، مما حول ابنه حسن إلى متعاون، ولكن ولديه القائدين ميمو ومحمد بقيا أوفياء لعهده.

فبعد أن أحاط الجنرال بويميرو، في 27 مارس 1921، بالمنطقة التي كان موحى وحمو سيدها، لا يجرؤ أي ضابط ولا جندي فرنسي على الاقتراب منها، وكان موحى وحمو قد بلغ الخمسة والسبعين سنة من عمره، ولا زال مصرا على الجهاد محروقا بغصة ابنه حسن، الذي أصبح سلاحا في يد المستعمر الفرنسي، بعث له الجنرال بويميرو مجموعة من أبناء زيان على أساس الاستئناس به، وعندما بلغوا مكان الأسد العجوز، بدأوا في إطلاق النار عليه، وتقول الوثائق الفرنسية أنه قتلهم جميعا باستثناء اثنين تقدما منه وقالا له: الأحسن أن تسلم نفسك ، وجه إليهما بندقيته وكأنه يريد إطلاق النار وهو على ظهر فرسه، فأردياه برصاصهما، ليكشفا فيما بعد أن بندقيته كانت فارغة.

ومات موحى وحمو موتة الأبطال الشرفاء وهو على ظهر فرسه وبندقيته في يده، وسارت بذكر موته الركبان، وأصبح موضوع القصائد الشعرية والأغاني الشعبية، وأصبح أسطورة الجهاد المغربي ضد الاحتلال، وشرب الفرنسيون الأنخاب على شرف الجنرال بويميرو ونسوا موحى وحمو.

وذات معركة كانت رحاها تدور في منطقة بعيدة جدا عن خنيفرة، كانت تدور في أهرمومو قرب تازة في الشمال الشرقي، كانت فرقة الليوتنان سولارد تخوض معركة ضارية دامت يومي 19 و20 يناير 1927، وقتل فيها عدد كبير من الفرنسيين، سأل قائد الحامية: ومن هو رئيس المحاربين؟ فأجابوه: إنه موحى وحمو، وكان اسمه الحقيقي محمد وحمو، الابن الأصغر لموحى وحمو البطل. إن كل بربري حمل السلاح ضد الجيش الفرنسي في سنة 1914 أو 1940 أو 1952، كان يتصور نفسه صورة حية لموحى وحمو الزياني.


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الأسبوع الصحفي

منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 35 دقيقة
منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 37 دقيقة
هسبريس منذ 10 ساعات
موقع بالواضح منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 8 ساعات
هسبريس منذ ساعتين
هسبريس منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 21 ساعة