متابعات | الحوار الاجتماعي.. لعبة الحكومة لتنويم النقابات والتلاعب بالرأي العام

مع حلول شهر أبريل تلجأ الحكومة إلى الحوار الاجتماعي مع النقابات من أجل التسويق الإعلامي والبحث عن طرق امتصاص غضب الشارع، بهدف ترويج مفهوم الدولة الاجتماعية رغم العديد من القرارات والأخطاء التي وقعت فيها وأدت خلال الأشهر الماضية إلى خروج جيل زد للاحتجاج، وظهور احتجاجات متفرقة في مختلف الجهات، بسبب غياب العدالة المجالية، وتزايد الاحتقان الاجتماعي جراء ارتفاع الأسعار والغلاء المتفشي في جميع المنتجات والخدمات..

إعداد: خالد الغازي

منذ مجيء حكومة أخنوش سنة 2021، ظل الحوار الاجتماعي مجرد مسرحية أو لعبة تستعملها في وقت الحاجة أو عند صعود التوتر أو ظهور تحرك نقابي ومؤشرات حول غضب شعبي مرتقب، حيث تحول هذه الحكومة الحوار الاجتماعي إلى وسيلة من أجل الظهور أمام الرأي العام بأنها سلطة تبحث عن مصاحبة الطبقة العمالية والطبقة المتوسطة، لكن سرعان ما تتلاشى الخطابات الرنانة والشعارات والوعود التي تطلقها لتنضاف إلى الالتزامات التي ظلت على الأوراق فقط.

ويبرز تعثر الحوار الاجتماعي مسألة مهمة، تتعلق بغياب الإرادة السياسية لدى الحكومة للوفاء بالاتفاقات التي تبرمها مع النقابات خلال كل سنة، وعدم التزامها بعقد جولات الحوار الاجتماعي بشكل منتظم وفق جدول زمني للحفاظ على جسر التواصل مع النقابات ومواكبة القضايا الاجتماعية الراهنة، لكن العكس هو الذي يحصل، بحيث تظل مسألة الحوار غائبة عن طاولة الحكومة إلى حين اقتراب فاتح ماي، قصد الترويج لأسطوانة الحوار والظهور أمام الكاميرات من أجل استعراض بعض الاتفاقيات التي لا تطبق على أرض الواقع، وتبقى العديد من الفئات من موظفين وأطر تعليمية وصحية وطبقة عاملة.. تناضل في الشارع من أجل المطالبة بتنفيذ الالتزامات.

في هذا السياق، أكد يونس فيراشين، عضو الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن الحكومة لا تحترم دورية اجتماعات الحوار الاجتماعي كما تم الاتفاق عليه، بحيث أن ميثاق المأسسة يتحدث عن دورتين، شتنبر وأبريل، وهذه المرة هي الثالثة التي لم تلتزم فيها الحكومة بعقد جولة شتنبر التي تعتبر أساسية والمفروض الأخذ برأيها في مشروع قانون المالية بالنسبة لهذه الجولة، مشيرا إلى عدم التزام الحكومة بمنظومة الانتخابات المهنية، التي ليست فيها معايير موضوعية تضمن النزاهة وتكافؤ الفرص بالنسبة لجميع النقابات، وبالنسبة لنا هذه القضية طرحناها مع وزارة الداخلية ورئيس الحكومة، ولحد الساعة ليس هناك أي تفاعل رغم أننا على بعد أشهر قليلة من الانتخابات، وبالتالي هذا ورش يجب الاشتغال عليه، خلال المدة المتبقية من عمر الحكومة.

وأوضح نفس المتحدث، أن هناك مجموعة من الانتظارات والالتزامات التي لم تنفذ في إطار الحوار الاجتماعي، زمن القضايا التي تم الاتفاق عليها في الجولة السابقة، الأنظمة الأساسية للهيئات المشتركة، مثل المتصرفين والمهندسين التقنيين والمساعدين الإداريين، وهي فئات كان من المفروض مراجعة الأنظمة الأساسية لها، بالإضافة إلى أنظمة أساسية لمجموعة من قطاعات التشغيل كموظفي التعليم العالي وغيرها، كما أن الحكومة لم تنفذ تنزيل ميثاق مأسسة الحوار الاجتماعي والدرجة الجديدة، وهذا ما يعتبر دينا على الحكومة، مضيفا أن من بين الإشكاليات التي يجب طرحها في هذا الحوار، موضوع الحريات النقابية، خاصة في ظل الهجوم الكبير على الحق في التنظيم والحريات النقابية، ومن المواضيع التي يجب الترافع بشأنها، إلى جانب موضوع المقاربة التشاركية والتوافق الذي كان من المفروض أن يسود مجموعة من القوانين التي تعني الشغيلة، على رأسها القانون التنظيمي للإضراب، الذي تعتبر مضامينه تكبيلية، ولا تتلاءم مع الدستور والمواثيق الدولية.

واستطرد المتحدث ذاته بأن ارتفاع الأسعار متراكم منذ سنة 2022 إلى اليوم، مما جعل الزيادات الأخيرة في الأجور فقدت قيمتها بسبب التضخم التراكمي الذي سجله المغرب خلال السنوات الأخيرة، مما يتطلب ضرورة الزيادة في الأجور وتوحيد السميغ و السماغ (SMIG وSMAG) والتزامات 2022، والرفع من معاشات المتقاعدين التي لم تعرف أي زيادات منذ سنوات، رغم أن هذه الفئة تحتاج لمصاريف كثيرة وفي حاجة للعلاج.

من جهته، يرى الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل، علي لطفي، أن الحوار الاجتماعي في المغرب لا زال بعيدا كل البعد عما يسمى بالمأسسة، نظرا لغياب الإطار التشريعي المتكامل لما يسمى بالحوار الاجتماعي كما هو متعارف عليه في أدبيات منظمة العمل الدولية، لأن الحوار الاجتماعي يفتقد للمأسسة الحقيقية التي تخرجه من الطابع الموسمي، وغالبا ما يستبق احتفالات فاتح ماي وثانيا الحوار يأتي تحت ضغط الشارع، ومن امتصاص غضب الشارع خاصة الحراك الاجتماعي للفئات أو المجتمع المدني تقوم الحكومة من أجل امتصاص هذا الغضب باستدعاء النقابات للحوار الاجتماعي وبعض النقابات وليس كلها، معتبرا أن الحوار يبقى شكليا وغير مؤسساتي بالطبع، بدل أن يكون قانونا ينظم الحوار الاجتماعي ويكون لدينا مجلس أعلى للحوار الاجتماعي يناقش كل القضايا وليس الطبقة العاملة فقط، لدينا المتقاعدين لا أحد يتحدث عنهم في الحوار، وأيضا خريجو الجامعات المعطلين لا أحد يتحدث عنهم في الحوار، على خلاف منظومة الحوار الاجتماعي في العديد من الدول الديمقراطية، فقط لدينا حوارا موسميا وشكليا من أجل إسكات الأصوات التي تنادي بالديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والاجتماعية.

وأضاف ذات المتحدث أن الحكومة تكرر نفس الأسطوانة وتستدعي النقابات، ولكن السؤال ما الذي ستقوم به الحكومة لإعادة النظر في سياستها بخصوص تدهور القدرة الشرائية لكافة المواطنين، سواء تعلق الأمر بالطبقة العاملة أو الطبقة المتوسطة أو الفئات الهشة والفقيرة في المجتمع؟ لا سيما مع الزيادات التي حصلت في أسعار المحروقات بشكل جنوني وخيالي، وكذلك أسعار المواد الغذائية والسلع والخدمات، وبالتالي، فالزيادة الطفيفة التي كانت في الأجور من قبل تآكلت بعدما تمت زيادة درهمين دفعة واحدة في أسعار المحروقات، والتي تؤدي مباشرة إلى زيادات أخرى في جميع المواد الغذائية، وهذا ما نلاحظه من ارتفاع في أسعار الخضر، والسلة الغذائية للفقراء مرتفعة بشكل خطير جدا، موضحا أن ممارسة الحكومة وقراراتها أدت إلى تدمير القدرة الشرائية للطبقة العاملة، وكذلك الطبقة المتوسطة التي تدحرجت إلى الأسفل، والقاعدة الكبيرة اليوم هم الفقراء، بالمقابل، ازدادت الشركات الكبرى والأغنياء غنى في هذا البلد.

وأضاف المتحدث نفسه أن كل دول العالم، بما فيها دول الخليج ومصر وليبيا، عند الزيادة في الأجور تقوم بزيادة معاشات التقاعد إلا في هذا البلد السعيد، يحرم فيه المتقاعدون وذوي حقوقهم من الزيادة منذ عشرين سنة (المتقاعدون المدنيون والعسكريون والأمنيون)، رغم أنهم ساهموا في تطوير المجتمع، ونسبة كبيرة منهم (75 في المائة) مصابون بأمراض مزمنة، حيث أن قضية المتقاعدين لم تكن يوما نقطة في جدول أعمال الحوار الاجتماعي، وكثيرا ما طالبنا بالزيادة في المعاشات لهم عند الزيادة في الأجور، مشيرا إلى أن الحكومة عندما تريد انتهاك حقوق دستورية واتفاقيات دولية، لا تلجأ إلى الحوار، بل تستعمل طريقة خاصة بها، مثل ما حصل في قانون ممارسة الإضراب، حيث قامت بتمريره دون استشارة النقابات رغم أنه ضرب للحق الدستوري والحق المعترف عبر منظومة الاتفاقيات الدولية، ورغم أن جميع الحكومات السابقة كانت على الأقل تسمح بممارسة هذا الحق بشكل قانوني، لأنه متنفس للطبقة العاملة لإسماع صوتها لذوي القرار السياسي.

بدوره، قال المحلل السياسي رشيد لزرق، أنه يمكن القول إن تدبير الحكومة للحوار الاجتماعي حقق جانبا من الانتظام الشكلي وتنفيذ بعض الالتزامات المالية المباشرة، لكنه لم ينجح بعد في التحول إلى حوار مؤسساتي شامل يعالج بنية العلاقة الاجتماعية لا فقط كلفتها المالية؛ فالمعطيات الرسمية تشير إلى أن الحكومة ركزت في جولات 2025 على تنزيل ما اتُّفق عليه سابقا، خصوصا الزيادة العامة في الأجور بالقطاع العام بقيمة 1000 درهم على مرحلتين، وتخفيض الضريبة على الدخل، والرفع من الحد الأدنى للأجر، مع إعلان الاستعداد لمواصلة الحوار حول ملفات أخرى، كالتقاعد والحوارات القطاعية والفئوية، لكن هذا المنحى نفسه يكشف محدوديته، إذ ظل الحوار متمركزا حول الأجور والقدرة الشرائية، بينما بقيت ملفات أكثر عمقا، مثل مأسسة الحوار، والحريات النقابية، وتنفيذ الاتفاقات القطاعية، وإصلاح التقاعد، في خانة التأجيل أو التدبير الحذر.

وبخصوص الانتظارات من الجولة المقبلة، اعتبر نفس المتحدث أنها كبيرة، لأن النقابات نفسها لم تعد تعتبر أن الزيادة في الأجور وحدها كافية، بل تؤكد أن جزءً مهما منها تآكل بفعل الغلاء، وتطالب أيضا بالرفع من معاشات المتقاعدين، وتخفيف العبء الضريبي، وفتح الحوارات القطاعية والفئوية، ومأسسة الحوار بقانون ومجلس وطني للتتبع، واحترام الحريات النقابية، مع رفض أي إصلاح للتقاعد يقوم على رفع سن الإحالة أو الاقتطاعات أو خفض المعاشات، لذلك فالرأي الأقرب إلى الدقة هو الانتقاد القائل أن الحوار صار يُختزل في الأجور، وأن هناك شكاوى من توجيه مساره سياسيا، ليس اتهاما بلا أساس، بل يعكس خللا فعليا في التوازن بين منطق التهدئة الظرفية ومنطق التفاوض الاجتماعي العميق، وإذا لم تحمل الجولة المقبلة أجوبة واضحة في التقاعد، والاتفاقات القطاعية، وآليات التتبع والتنفيذ، فسيظل الحوار أقرب إلى تدبير الضغط الاجتماعي منه إلى صناعة تسوية اجتماعية مستقرة.

اليوم، يأتي الحوار الاجتماعي في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تهدد القدرة الشرائية للمواطنين بفعل ارتفاع أسعار المواد والخدمات، وهو ما دفع المركزيات النقابية إلى المطالبة بتدخلات عاجلة تواكب التضخم وتخفف أثار الغلاء على الأسر، دون أن تقوم الحكومة بأي حلول ناجعة لتخفيف الضغط على المغاربة رغم امتلاكها العديد من الوسائل، منها خيار تسقيف الأسعار، إلا أن الحوار يبقى لعبة في يد الحكومة تستعملها عند الضغط الشعبي أو مع حلول شهر أبريل من أجل التسويق أمام الاعلام والمنظمات المهنية، لكنها في الواقع لا تحترم مبادئ الحوار.

وقد أوصى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سابقا، بتبني تصور جديد للحوار الاجتماعي، يمكّن من بناء جيل جديد من منظومات الحوار، عبر مأسسة منظومات متكاملة للحوار الاجتماعي، باعتباره أداة للديمقراطية التشاركية والنهوض بثقافة الحوار الاجتماعي، مع أهمية مأسسة الحوار لا سيما وأنه مرتبط بعدة مستويات، كالقضايا ذات الطابع الوطني، والقطاعات الاقتصادية والعمومية، والمجالات الهوياتية والترابية وما يهم المقاولات، داعيا إلى تشكيل منظومة متعددة الأشكال والمستويات للاستجابة لكافة الاستحقاقات التي يفرضها الحوار الاجتماعي، عبر الارتقاء بمجلس المفاوضة الجماعية إلى هيئة وطنية استشارية للحوار الاجتماعي، والمفاوضة الجماعية مع دعمها بالإمكانيات البشرية والمادية، وتقييم أداء المنظومة وإنجاز دراسات وإصدار تقرير سنوي لحصيلة الحوار الاجتماعي والمفاوضة الجماعية.

واقترح المجلس مجموعة من التوصيات التي لم تأخذها الحكومة بعين الاعتبار، من بينها إحداث حوار اجتماعي وطني وجهوي، عن طريق سن مقتضيات قانونية واتخاذ تدابير عملية تفيد في تأطير وتفعيل الحوار الاجتماعي في القطاعات والمؤسسات العمومية، وفي تحديد معايير النقابات الأكثر تمثيلية، على أن يركز الحوار على قضايا تثمين وتحفيز الرأسمال البشري وتحسين جودة الخدمات العمومية وتطوير الحكامة، ورفع مردودية المرفق العمومي.


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الأسبوع الصحفي

منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
أشطاري 24 منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 54 دقيقة
هسبريس منذ ساعة
هسبريس منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 20 ساعة
هسبريس منذ ساعتين
هسبريس منذ 3 ساعات