دبي كمركز مالي.. هل تتحول توترات المنطقة إلى فرصة؟

في كل أزمة إقليمية أو عالمية، تعود دبي لتبرز كوجهة للشركات ورؤوس الأموال الباحثة عن الاستقرار. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة خلال الربع الأول من عام 2026، يعود السؤال مجدداً: هل ستتأثر دبي كمركز مالي عالمي، أم أن الإمارة ستنجح مرة أخرى في تحويل الاضطرابات إلى فرصة لتعزيز موقعها في النظام المالي الدولي؟.

تشير البيانات والتقارير الدولية إلى أن دبي تدخل هذه المرحلة من موقع مختلف مقارنة بالأزمات السابقة، بعدما أصبحت من بين أبرز المراكز المالية العالمية وفق مؤشر المراكز المالية العالمية الذي يصدره مركز الأبحاث الدولي «لونغ فاينانس».

صعود متسارع قبل الأزمة

تشير نتائج مركز دبي المالي العالمي لعام 2025 إلى توسع ملحوظ في نشاطه، حيث بلغ عدد الشركات النشطة داخله 8844 شركة بزيادة 28% على أساس سنوي، فيما تجاوز عدد الشركات الجديدة المسجلة 2525 شركة بنمو بلغ 39%، وفق البيانات الرسمية الصادرة عن المركز.

كما شهد قطاع صناديق التحوط نمواً واضحاً، إذ تجاوز عدد الصناديق ومديريها المسجلين 100 صندوق مقارنة بنحو 50 فقط في بداية عام 2024، ما يعكس تحول دبي إلى منصة إقليمية متقدمة لإدارة الأصول.

وعلى صعيد التنافسية الدولية، تقدمت دبي إلى المرتبة السابعة عالمياً في مؤشر المراكز المالية العالمية الصادر في مارس 2026، وهو أعلى ترتيب تحققه المدينة في تاريخ المؤشر.

ويرى حبيب الملا، الخبير القانوني الإماراتي الذي يقدم الاستشارات لعدد من الشركات الأجنبية في دبي، أن هذه الأرقام تعكس تحولاً نوعياً في موقع دبي المالي، مشيراً إلى أن «السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت دبي ستستفيد من التوترات، بل إلى متى تستمر هذه المعادلة».

ويوضح، في تصريحات لـ«إرم بزنس»، أن الشركات تميل عادةً إلى الانتقال نحو البيئات الأكثر استقراراً وتنظيماً عندما ترتفع المخاطر الإقليمية، وهو ما يفسر استمرار نمو عدد الشركات المسجلة في مركز دبي المالي العالمي حتى مع تصاعد التوترات.

بوابة مبنى مركز دبي المالي العالمي، دبي، الإمارات، يوم 9 يناير 2023.

المصدر: المكتب الإعلامي لحكومة دبي

موجة انتقال الشركات العالمية

هذا الزخم دفع عدداً من المؤسسات المالية العالمية إلى توسيع حضورها في دبي. ففي فبراير 2025 افتتحت شركة إدارة الأصول الأميركية بيمكو (PIMCO) مكتباً منظماً لها في مركز دبي المالي العالمي لتعزيز عملياتها في الشرق الأوسط، وفق ما نقلته وكالة «بلومبرغ».

كما افتتحت شركة الاستشارات الاستثمارية كامبريدج أسوشيتس (Cambridge Associates) أول مكتب لها في المنطقة داخل المركز بعد سنوات طويلة من العمل مع العملاء الإقليميين.

وفي يوليو 2025 أعلنت شركة الاستثمار الأميركية بارون كابيتال (Baron Capital) افتتاح مكتب لها لخدمة المستثمرين في الشرق الأوسط.

وفي قطاع التأمين، حصلت شركة إعادة التأمين البريطانية هودن ري (Howden Re) على رخصة للعمل داخل المركز، في حين أسست شركة أليانز تريد الشرق الأوسط (Allianz Trade Middle East) كياناً منظماً لتعزيز عملياتها الإقليمية في قطاع التأمين الائتماني.

كما تشير تقديرات شركة هنلي آند بارتنرز (Henley Partners) إلى انتقال نحو 9,800 مليونير إلى الإمارات خلال عام 2025، ما يعزز الطلب على خدمات إدارة الثروات والاستشارات المالية، وفق بيانات نقلتها وكالة «رويترز».

ويرى أستاذ المالية في كلية الأعمال الفرنسية «إكسليا» نوازش ميرزا أن هذا الاتجاه ليس جديداً، موضحاً في تصريحات لـ«إرم بزنس»، أن «رؤوس الأموال لا تغادر المنطقة عادة خلال فترات التوتر، بل تعيد التموضع داخلها، وغالباً ما تصبح دبي الوجهة المفضلة لذلك».

كما يشير إلى أن حجم القطاع المصرفي في الإمارات، الذي تتجاوز أصوله تريليون دولار، يوفر درجة عالية من الاستقرار والثقة للمستثمرين الدوليين.

قطاع الطيران الإماراتي.. مرونة استثنائية في مواجهة الأزمات

اختبار الأزمة: كيف تعاملت المنظومة المالية؟

مع تصاعد التوترات الأمنية في المنطقة خلال مارس 2026، واجهت المنظومة المالية في دبي اختباراً عملياً. فقد أغلقت بورصة ناسداك دبي (Nasdaq Dubai) مؤقتاً يومي 2 و3 مارس قبل استئناف التداول في الرابع من الشهر نفسه، وفق إشعارات صادرة عن هيئة الخدمات المالية في دبي (DFSA).

كما سمحت الهيئة لعدد من المؤسسات المالية بالعمل عن بعد خلال تلك الفترة مع إلزامها بالإبلاغ عن أي تغييرات تشغيلية لضمان استمرارية العمليات المالية.

وفي السياق ذاته، أعلن مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي في 17 مارس 2026 إطلاق حزمة دعم مالية بقيمة تريليون درهم لتعزيز مرونة القطاع المصرفي ودعم السيولة واستمرارية الائتمان في النظام المالي.

ويرى حبيب الملا أن هذه الاستجابة جاءت «وقائية أكثر منها دفاعية». كما يشير إلى أن نسبة كفاية رأس المال في القطاع المصرفي الإماراتي التي تبلغ نحو 17% ونسبة تغطية السيولة التي تتجاوز 146% تعكس قوة المنظومة المالية وقدرتها على امتصاص الصدمات.

تشهد أسواق المال في الإمارات توسعاً في قاعدة المستثمرين الأفراد بالتوازي مع استمرار دور المؤسسات في دعم السيولة والاستقرار، ما يعكس تحولاً تدريجياً في هيكل السوق نحو توازن أكبر بين الطرفين.

وفي هذا السياق، قال وائل راشد، خبير الأسواق المالية والمتحدث الرسمي باسم شركة إيفست (Evest): «المستثمر الفرد في الأسواق الإماراتية لم يعد يتصرف بعشوائية كما في السابق، بل أصبح أكثر وعياً ومتابعة، وهو ما ساهم في خلق سوق أكثر توازناً وأقل اندفاعاً».

دبي في مواجهة المراكز المالية العالمية

تضع تصنيفات مؤشر المراكز المالية العالمية دبي في نادي المراكز المالية الكبرى إلى جانب نيويورك (New York) ولندن (London) وسنغافورة (Singapore)، إلا أن لكل مركز منها نقاط قوة مختلفة.

فبينما تتمتع نيويورك ولندن بعمق الأسواق المالية وتاريخ طويل في الخدمات المصرفية، تتميز سنغافورة باستقرار مؤسسي قوي وموقع استراتيجي في آسيا. أما دبي فتنافس عبر مزيج مختلف من المزايا، أبرزها البيئة الضريبية المرنة والبنية القانونية الخاصة داخل مركز دبي المالي العالمي.

ويشير نوازش ميرزا إلى أن دبي «لا تحاول أن تكون نسخة من لندن أو نيويورك»، بل تقدم نموذجاً مكملاً لهما عبر الربط بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، ما يسمح للمؤسسات المالية بإدارة عملياتها عبر مناطق زمنية متعددة من مركز واحد.

من السيولة إلى التوظيف.. ماذا تربح الشركات من قرارات دبي الأخيرة؟

التحديات التي قد تحدد مسار المرحلة المقبلة

رغم هذا الزخم، تواجه دبي بعض التحديات المرتبطة بارتفاع تكاليف التشغيل. فقد ارتفعت إيجارات المكاتب في دبي بأكثر من 18% سنوياً مع وصول نسب الإشغال إلى نحو 95%، وفق تقرير شركة سي بي آر إي (CBRE) للربع الرابع من عام 2025.

ومع ذلك، يعتقد نوازش ميرزا أن موقع دبي يظل قوياً في المدى المنظور، مشيراً إلى أن التحديات الحالية «تشغيلية أكثر منها هيكلية»، وأن الإمارة أظهرت خلال السنوات الماضية قدرة واضحة على الحفاظ على الاستقرار التنظيمي والاقتصادي حتى خلال فترات التقلب.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 36 دقيقة
منذ 56 دقيقة
منذ ساعة
منذ 8 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 29 دقيقة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 5 ساعات
إرم بزنس منذ ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 22 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 14 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 11 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعتين