"الشريف": توقعات بانخفاض تدريجي لسعر الدولار مع استمرار ضخ السيولة #الساعة24

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، أن تقلبات سعر الصرف في ليبيا تمثل انعكاسًا مباشرًا لاختلالات هيكلية عميقة في الاقتصاد، مشددًا على أن التدخلات الحالية للمصرف المركزي، رغم أهميتها، تبقى حلولًا آنية لا تعالج جذور الأزمة الاقتصادية.

وأوضح الشريف في حديث لقناة ليبيا الحدث ، ورصدته الساعة24 ، أن سعر الصرف يُعد ترمومترًا لقياس صحة الاقتصاد، مشيرًا إلى أن ارتفاعه بشكل كبير، كما حدث عندما بلغ الدولار مستويات مرتفعة، يعكس وجود مرض اقتصادي حقيقي يتمثل في التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما أثر بشكل مباشر على قدرة المواطن على تلبية احتياجاته اليومية.

وأشار إلى أن تدخل المركزي في مثل هذه الحالات يصبح ضرورة ملحّة لاحتواء التدهور المعيشي، حتى وإن كانت هذه التدخلات ذات طابع مؤقت، مؤكدًا أن امتناع المصرف عن استخدام أدواته في ظل هذه الظروف قد يزيد الأزمة تعقيدًا.

ولفت إلى أن ارتفاع الإيرادات، خاصة في ظل المتغيرات الدولية مثل التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، قد يمنح المصرف المركزي فرصة لتعزيز تدخله في السوق وضخ العملة الأجنبية، ما يخفف الضغط على سعر الصرف ويحسن الوضع المعيشي.

وأضاف أن عامل الثقة يُعد من أهم المحددات في استقرار السوق، موضحًا أن مجرد التصريحات الرسمية قد تؤثر في سلوك المتعاملين، حيث دفعت توقعات انخفاض سعر الدولار بعض حائزي العملة الأجنبية إلى البيع، ما أدى إلى زيادة المعروض وانخفاض السعر مؤقتًا، قبل أن يعاود الارتفاع نتيجة تصريحات متضاربة.

وشدد الشريف، على ضرورة التزام المركزي بتنفيذ تعهداته، معتبرًا أن بناء الثقة لدى الفاعلين الاقتصاديين والتجار يمثل عنصرًا حاسمًا في استقرار السوق.

وفي تحليله للسياسات النقدية، أشار الشريف إلى أن المصرف فقد إحدى أهم أدواته، وهي سعر الفائدة، بعد التغييرات التشريعية المتعلقة بتحريم الربا، ما حدّ من قدرته على التحكم في التضخم وسحب السيولة من السوق.

وبين أن المصرف لجأ إلى أدوات بديلة مثل شهادات الإيداع، لكنها لم تحقق النتائج المرجوة بسبب ضعف العائد مقارنة بالفرص الاستثمارية الأخرى، ما دفعه إلى التفكير في أدوات غير تقليدية مثل الوديعة المقيدة ، والتي تقوم على تجميد جزء من أموال المودعين لفترة زمنية محددة، مقابل منحهم مزايا مستقبلية مثل الحصول على العملة الأجنبية بسعر المصرف، بهدف تقليص الكتلة النقدية المتداولة وخفض الطلب على الدولار في السوق الموازية.

وأشار إلى أن نجاح هذه الأداة يعتمد على حجم الإقبال عليها، ومدى التزام المصرف بتطبيقها بشفافية، مؤكدًا أن تقييم فعاليتها يحتاج إلى وقت، لا سيما في ظل غياب التنسيق بين السياسة النقدية التي يتبعها المصرف والسياسة المالية التي تنتهجها الحكومات، خاصة مع وجود حكومتين وسياسات إنفاق توسعية، ما قد يؤدي إلى إلغاء أثر أي إجراءات تقشفية أو انكماشية.

وأوضح أن زيادة الإنفاق الحكومي أو طباعة المزيد من النقود قد تعيد ضخ السيولة في السوق، وهو ما يقوض جهود المصرف في تقليل عرض النقد.

وتابع: الحلول الحقيقية تكمن في معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، ومن أبرزها ضعف الإنتاج الحقيقي، وهيمنة قطاع الخدمات، وغياب بيئة استثمارية مستقرة، إلى جانب ضرورة إشراك جميع الأطراف الفاعلة في أي اتفاقات اقتصادية لضمان تنفيذها على الأرض، مشددًا على أن تجاهل بعض الأطراف يجعل أي اتفاقات حبرًا على ورق .

وحول فرض الضرائب، أكد أن المصرف المركزي لا يملك صلاحية فرضها بشكل مباشر، موضحًا أن أي إجراء ضريبي يجب أن يتم وفق تشريع قانوني يصدر عن مجلس النواب بعد نقاش وتوافق واسع، خاصة في ظل الجدل السابق بين الاقتصاديين والنواب والرأي العام، الذي رفض مثل هذه المقترحات.

واعتبر أن دور المصرف يقتصر على تقديم مقترحات، بينما تبقى سلطة الإقرار بيد السلطة التشريعية، مشددًا على أن فرض الضرائب من قبل المصرف مستحيل من الناحية القانونية والمؤسسية .

وحذر الشريف، من احتمالية تدهور سعر الدينار مقابل الدولار خلال الأشهر المقبلة إذا عجز المصرف عن تلبية الطلب المتزايد، متوقعًا أن يصل السعر بين 11 و14 دينارًا إذا استمرت الأوضاع الحالية دون معالجة جذرية.

ولفت إلى أن المصرف قد يلجأ، في حال تفاقم الأزمة، إلى خيار تخفيض قيمة العملة بدل فرض الضرائب، عبر تعديل السعر الرسمي للدينار، مؤكدًا أن هذا الإجراء يختلف عن فرض الضريبة لأنه يغير السعر الرسمي مباشرة دون خلق أسعار متعددة، وهي سياسة يرفضها صندوق النقد الدولي.

وبيّن الشريف، أن استمرار ارتفاع الطلب على الدولار، مدفوعًا بالإنفاق الحكومي المرتفع ومشكلات السياسة المالية، سيضغط على الاحتياطيات، خاصة إذا تراجعت الإيرادات النفطية بسبب انخفاض أسعار النفط العالمية.

كما أشار إلى أن أي انخفاض محتمل في أسعار النفط نتيجة انتهاء التوترات الجيوسياسية أو عودة الإمدادات سيؤدي إلى تراجع الإيرادات، مما يزيد صعوبة تلبية الطلب ويضع الاقتصاد أمام تحديات أكبر.

وأردف: ارتفاع الأسعار في السوق المحلية يحدث بسرعة عند تراجع قيمة العملة، بينما يكون انخفاضها بطيئًا بسبب ضعف مرونة الأسعار في اتجاه النزول، إذ يتردد التجار في خفض الأسعار حتى يطمئنوا لاستقرار السوق. مؤكداً أن معالجة ارتفاع الأسعار لا يمكن أن تتم عبر التسعير الجبري أو الحملات الرقابية المحدودة، بل تكمن في تعزيز العرض من خلال تسهيل الاستيراد، وضمان انسياب السلع، ومكافحة الاحتكار، ومراقبة كبار الموردين، بما يؤدي إلى انخفاض الأسعار وفق آليات السوق الطبيعية.

وأشار إلى أن ما يحدث ليس تعويمًا للعملة، بل عملية متكررة لتخفيض قيمة الدينار، تُستخدم بشكل غير تقليدي لتمويل عجز الموازنة، مشددًا على أن المصرف لا يملك السيطرة الكاملة على السياسة النقدية، إذ يعتمد الدولار الذي يديره على الحكومة التي تستمر في التوسع بالإنفاق العام، ما يضطر المصرف لتخفيض قيمة الدينار لتوفير السيولة المطلوبة.

ولفت إلى أن هذه السياسة تم تكرارها عدة مرات منذ 2020، حيث تم تخفيض قيمة العملة نحو ثلاث مرات، ما انعكس مباشرة على السوق الموازية ورفع معدلات التضخم.

وأضاف أن أداة تخفيض قيمة العملة عادةً تفيد الاقتصادات المتنوعة التي تعتمد على التصدير، أما ليبيا فإن اعتمادها شبه الكامل على النفط يجعلها غير فعالة في تحقيق أهدافها التقليدية، كما أن أي انخفاض في قيمة الدينار يؤدي مباشرة إلى ارتفاع أسعار السلع وزيادة الأعباء على المواطنين.

واستطرد: أن الخيارات المتاحة أمام الدولة محدودة: استخدام الاحتياطيات النقدية، أو تخفيض قيمة العملة، أو اعتماد سياسات تقشفية صارمة تشمل تقليص الإنفاق العام وترشيد الاستهلاك، مشددا على أن الحل الأمثل يتمثل في تبني سياسات اقتصادية متكاملة لضبط الإنفاق العام وتقليل الهدر وتحقيق تناغم بين السياسة المالية والنقدية.

وأوضح أن المصرف يمتلك حاليًا وفرة مؤقتة من الإيرادات، لكنه حذر من استنزاف الاحتياطيات دون ترشيد الإنفاق، مؤكدًا أن دور هذه الاحتياطيات هو دعم العملة الوطنية في الأوقات الحرجة، وليس تغطية الإنفاق المستمر.

كما شدد على أن حماية قيمة الدينار لم تعد مسؤولية المصرف وحده، بل تتطلب تعاون جميع مؤسسات الدولة، خاصة في ظل الانقسام السياسي وتعدد مراكز الإنفاق، مشيرا إلى ضرورة اعتماد تقديرات حذرة لأسعار النفط عند إعداد الموازنة، وبناء الموازنة على أسعار متحفظة لضمان فوائض يمكن توجيهها لتعزيز الاحتياطيات ومواجهة الأزمات المستقبلية.

وأضاف أن فلسفة شركات الصرافة كانت تهدف في بداياتها إلى دمج السوق الموازي ضمن الإطار الرسمي، عبر شراء الدولار من المواطنين وإعادة بيعه للوافدين أو الراغبين في الدولار، محققة أرباحًا بسيطة من فروق الأسعار والعمولات، إلا أن دورها الحالي محدود مقارنة بالمصارف التجارية، التي تتولى البيع الفعلي للدولار.

وأكد أن ارتفاع سعر الصرف مؤشر على أزمة حقيقية تحتاج إلى تدخلات فورية، لكنها حلول مؤقتة، وأن قدرة المصرف على تلبية الطلب تتأثر مباشرة بإيرادات النفط، مضيفا أن التدخلات الحالية تُعد مسكنات قد تستمر لشهر أو أكثر حسب قدرة المصرف، لكنها لن تمنع ارتفاع الأسعار إذا استمرت الأزمات الاقتصادية أو التعطيلات السياسية، مشددًا على أن استقرار سعر الصرف طويل المدى مرتبط بالتوافق السياسي والاقتصادي العام وبثقة المتعاملين في الدينار الليبي.


هذا المحتوى مقدم من الساعة 24 - ليبيا

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من الساعة 24 - ليبيا

منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 8 ساعات
منذ ساعتين
منذ 34 دقيقة
منذ ساعة
عين ليبيا منذ 6 ساعات
بوابة الوسط منذ 19 ساعة
عين ليبيا منذ 4 ساعات
عين ليبيا منذ ساعتين
صحيفة الأنباء الليبية منذ 3 ساعات
الساعة 24 - ليبيا منذ 8 ساعات
عين ليبيا منذ 8 ساعات
بوابة الوسط منذ 17 ساعة