رأى أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، عطية الفيتوري، أن إعلان مصرف ليبيا المركزي بشأن ضخ 2.5 مليار دولار في السوق يمثل خطوة إيجابية على المدى القصير، لكنه لا يعالج جذور الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد الليبي.
وأوضح الفيتوري في حديث لقناة ليبيا الحدث ، ورصدته الساعة24 ، أن الجزء الأكبر من هذه الأموال سيُستخدم لتغطية الاعتمادات المستندية السابقة، بينما سيوجه جزء آخر لتوفير السيولة النقدية للمواطنين عبر التقدم بطلبات للحصول على العملة الأجنبية، مؤكدًا أن هذه السياسة تشبه المسكنات التي تخفف الألم مؤقتًا دون معالجة المرض الأساسي.
وأشار الفيتوري إلى أن ضخ الدولار في السوق قد يؤدي فعليًا إلى انخفاض سعره في السوق الموازية، وهو ما لوحظ خلال الأيام الأخيرة، إذ تراجع السعر من نحو 11 دينارًا إلى ما بين 8.5 و9 دنانير، إلا أن هذا الانخفاض يظل هشًا ومؤقتًا، ويتأثر بشكل كبير بتصريحات المصرف المركزي والإشاعات المتداولة حول سياساته.
وأكد أن المشكلة الحقيقية تكمن في ارتفاع الطلب على الدولار، واستمرار المضاربة على الدينار الليبي، إضافة إلى رغبة شريحة واسعة من أصحاب رؤوس الأموال في الاحتفاظ بالعملة الأجنبية كملاذ آمن، فضلًا عن تفشي الفساد، وهي عوامل لم تعالجها الإجراءات الأخيرة.
وبيّن الفيتوري أن استقرار سعر الصرف مرتبط بقدرة المركزي على الاستمرار في ضخ العملة الأجنبية بشكل منتظم، وليس عبر دفعات مؤقتة، متسائلًا عن مدى قدرة المصرف على الاستمرار في هذه السياسة خلال الأشهر المقبلة، خاصة في ظل غياب رؤية واضحة ومعلنة.
وأضاف أن غياب الشفافية بشأن السياسة المستقبلية للمصرف يعزز حالة عدم اليقين في السوق، ويدفع المستثمرين والتجار إلى شراء الدولار تحسبًا لأي توقف محتمل في عمليات الضخ.
وفي الوقت نفسه، أشار الفيتوري إلى أن شريحة محدودة من المواطنين قادرة على شراء كميات كبيرة من الدولار، بينما يظل غالبية الموظفين وأصحاب الدخل المحدود غير قادرين إلا على شراء مبالغ بسيطة، ما يفتح المجال أمام كبار المضاربين لامتصاص السيولة المتاحة والتحكم في السوق.
كما انتقد الإجراءات المتعلقة بتحويل الودائع من تحت الطلب إلى ودائع زمنية، معتبرًا أنها لا تؤدي فعليًا إلى خفض عرض النقود بالمفهوم الواسع، بل قد تؤدي إلى نتائج عكسية عند فتح الاعتمادات، حيث يتم السحب من الحسابات الجارية وليس من الودائع الزمنية.
ولفت الفيتوري إلى أن منح نسبة من قيمة الاعتمادات بالدولار قد يزيد من حجم الالتزامات على المصرف المركزي دون ضمان قدرته على تغطيتها بالكامل، مشككًا في فعالية هذه الأدوات باعتبارها جزءًا من السياسة النقدية، متوقعاً أن الإجراءات الحالية، رغم أهميتها المؤقتة، لن تحقق النتائج المرجوة ما لم تُصاحبها إصلاحات هيكلية شاملة تعالج جذور الأزمة، وتحد من المضاربة، وتعزز الثقة في الدينار الليبي.
واعتبر الفيتوري أن الإجراءات الأخيرة التي يتخذها المصرف المركزي، خاصة فيما يتعلق بتقييد بعض الأدوات النقدية مثل الأرصدة المقيدة ، لا تزال غير واضحة المعالم وتثير تساؤلات واسعة حول جدواها وتأثيرها الفعلي على السوق، لافتاً أن هذه الإجراءات تُعد غير مألوفة حتى في الأدبيات الاقتصادية المتعلقة بالسياسة النقدية، مشيرًا إلى غياب تصور واضح حول كيفية تطبيقها عمليًا، وما إذا كانت تعني حرمان بعض الفئات من الاعتمادات المستندية أم مجرد آلية تنظيمية مؤقتة.
وأضاف أن حالة الغموض تمتد إلى آلية التصرف في هذه الأرصدة، متسائلًا عما إذا كان سيتم لاحقًا تحويلها إلى عملات أجنبية يمكن استخدامها بحرية، بما في ذلك فتح الاعتمادات للاستيراد، أم أنها ستظل مقيدة دون استخدام فعلي.
وانتقد الفيتوري ما وصفه بحالة التخبط في إدارة السياسة النقدية، معتبرًا أن المصرف لا يمكنه بمفرده تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو الحفاظ على قيمة الدينار، مؤكداً أن هذه المسؤولية مشتركة مع وزارة المالية ووزارة الاقتصاد والتجارة.
ولفت إلى أن سعر الدولار في السوق السوداء يتأثر بشكل كبير بالتوقعات والتصريحات، مشيرًا إلى أنه انتقل مؤخرًا من نحو 8.5 دينار إلى أكثر من 9 دنانير نتيجة تصريحات وسياسات غير واضحة. كما استعرض تطور سعر الصرف الرسمي، مؤكدًا أنه بلغ حاليًا نحو 6.41 دينار للدولار، مقارنة بمستويات سابقة، ما يعكس تغيرات مستمرة في السياسة النقدية.
وحذر الفيتوري من التوسع في الإنفاق العام، سواء بالدولار أو بالدينار، نتيجة ارتفاع أسعار النفط، منوهاً إلى هذا التوسع قد يكون غير مستدام في حال تراجع أسعار النفط مستقبلاً، وهو ما قد يؤدي إلى فقدان الثقة في السياسات الاقتصادية.
وفيما يتعلق بالاحتياطيات الأجنبية، أوضح الفيتوري أن المصرف يمكنه إدارة الطلب على العملة الصعبة من خلال التحكم في فتح الاعتمادات أو السحب عند الضرورة، مشيرًا إلى أن الهدف من الاحتياطيات هو استخدامها في فترات تراجع الإيرادات وليس الاحتفاظ بها دون توظيف.
واعتبر الفيتوري أن غياب الرقابة على الأسعار في السوق المحلية، أدى إلى تفاوت كبير في أسعار السلع، بما في ذلك الأدوية، حيث تباع نفس السلعة بأسعار مختلفة في صيدليات ومتاجر متقاربة، ما يعكس ضعف دور الدولة في ضبط الأسواق.
واستطرد: أن تمويل العجز في الميزانية أداة معروفة في الاقتصاد، خاصة إذا كان موجهًا نحو مشاريع تنموية، مشيرًا إلى أن العديد من الدول تعتمد على الدين العام المحلي، وهو ما لا يشكل عبئًا كبيرًا إذا أُحسن استخدامه، مؤكداً أن ليبيا لا تعاني من دين عام خارجي، وهو ما يمثل ميزة مهمة، داعيًا إلى استغلال ارتفاع أسعار النفط في تقليص الدين العام المحلي بدلًا من التوسع في الإنفاق الاستهلاكي، بما يعزز الاستقرار المالي والاقتصادي.
وشدد على أن الأزمة المالية تتفاقم في ظل غياب ميزانية عامة موحدة ومعتمدة من السلطة التشريعية، موضحًا أن الانقسام السياسي ووجود حكومتين أدى إلى إنفاق عام غير خاضع للأطر القانونية.
وأضاف أن القاعدة الأساسية في الدول المستقرة تقتضي إعداد ميزانية سنوية موحدة تُعرض على السلطة التشريعية لإقرارها، بحيث تحدد أبواب الإنفاق الرئيسية مثل المرتبات والتشغيل والتنمية والدعم، مع الالتزام بعدم تجاوز هذه المخصصات، إلا أن الوضع الحالي في ليبيا يفتقر لهذه الآلية، ما يجعل الإنفاق مفتوحًا دون ضوابط واضحة.
وأشار إلى أن جزءًا من العملة الأجنبية قد يُعاد تدويره في السوق الموازية من قبل بعض التجار أو عبر قنوات غير رسمية، ما يقلل من فعالية السياسات النقدية في القضاء على السوق السوداء، مؤكدًا أن القضاء على السوق الموازية يتطلب توفير العملة الأجنبية بشكل كافٍ ومنتظم عبر القنوات الرسمية، مستشهدًا بفترات سابقة شهدت استقرارًا نسبيًا في سعر الصرف، عندما كان المواطنون يحصلون على النقد بسهولة عبر المصارف وخدمات التحويل مثل ويسترن يونيون و موني جرام .
وأوضح أن الاقتصاد الليبي يواجه خللًا في سوق النقد، حيث يحوّل البعض العملات إلى أداة للمضاربة، نتيجة نقص الثقة وغياب التوازن بين العرض والطلب، مضيفًا أن الطلب على الدولار لا يرتفع فقط لتمويل الواردات، بل يتأثر بالتوقعات المستقبلية، خاصة عند الحديث عن احتمال خفض قيمة الدينار، ما يدفع الأفراد والمؤسسات إلى زيادة الطلب على الدولار كملاذ آمن.
وأكد أن تحقيق استقرار مستدام في سعر الصرف يتطلب معالجة جذرية تشمل زيادة موارد النقد الأجنبي، وتحسين إدارة السياسات النقدية، وتعزيز الشفافية، إلى جانب الحد من المضاربات والتوقعات السلبية التي تضغط على العملة المحلية.
هذا المحتوى مقدم من الساعة 24 - ليبيا
