قال الباحث القانوني، عبد الله الديباني، إن ملف الدين العام في ليبيا، ما يزال يفتقر إلى الشفافية والدقة في عرض البيانات، معتبرًا أن ما يجري تداوله حول أرقامه وآليات إدارته يعكس حالة من الغموض المؤسسي في المشهد المالي العام.
وأوضح الديباني ، في حديث لتلفزيون المسار ، ورصدته الساعة24 ، أن القانون رقم (30) المتعلق بالدين العام أعاد تنظيم مصادره لتشمل إيرادات النفط، والفائض من حصة الخزانة العامة من أرباح المصرف المركزي، وفائض احتياطي النقد الأجنبي، إضافة إلى عوائد رسم مبيعات النقد الأجنبي، معتبرًا أن هذا الإطار التشريعي يثير تساؤلات حول آليات التطبيق والرقابة.
وأشار إلى أنه خلال عام 2025 بلغت إيرادات الضريبة على بيع النقد الأجنبي نحو 23 مليارًا و200 مليون دينار، إلا أن ذلك لم ينعكس بحسب قوله على خفض الدين العام، الذي ارتفع من نحو 270 مليار دينار إلى ما يقارب 303 مليارات دينار بنهاية العام نفسه، متسائلًا عن أسباب هذا التباين.
وأضاف أن الجدل حول الدين العام ليس جديدًا، لافتًا إلى ما وصفه بـ فزورة الدين العام ، مشيرًا إلى أن مراحل سابقة شهدت إعلان تصفيره خلال فترة إدارية سابقة لمصرف ليبيا المركزي، قبل أن يعود للارتفاع مجددًا بعد تغييرات في إدارة المصرف وتعيين محافظ جديد.
وأوضح أن هذه التحولات، وفق تعبيره، تعكس غياب بيانات واضحة واستقرار في الإفصاح المالي، مؤكدًا أن المركزي يتحمل المسؤولية في توضيح حجم الإيرادات والمصروفات المرتبطة بالعملة الأجنبية والدين العام.
كما أشار إلى أن بعض الإيرادات، بما في ذلك عوائد الرسوم المفروضة على النقد الأجنبي، لا يظهر لها أثر مباشر في الحسابات العامة، متسائلًا عن آلية استقطاعها وتوجيهها، في ظل غياب تقارير تفصيلية معلنة.
وشدد على أن استمرار الجدل حول الدين العام يعكس خللًا في المنظومة المالية والرقابية، داعيًا إلى ضرورة الإفصاح الكامل عن البيانات وربط الإيرادات بالمصروفات بشكل واضح وشفاف، مبيناً أن تحميل الدين العام للمواطنين بشكل غير مباشر يثير إشكاليات قانونية واقتصادية، خصوصًا في ظل غياب معلومات دقيقة حول كيفية تراكمه وآليات معالجته.
كما شدد على أن حل الأزمة يتطلب شفافية كاملة وإصلاحًا مؤسسيًا شاملًا يضمن وضوح البيانات وتوحيد الأرقام الصادرة عن الجهات المالية الرسمية.
وقال إن الجدل القائم حول القانون رقم (6) لا يمكن فصله عن مسألة الشرعية والدستورية، مشيرًا إلى أن مجلس النواب يُعد سلطة تشريعية معترفًا بها بموجب اتفاق الصخيرات واتفاق جنيف، وبالتالي فإن التشريعات الصادرة عنه تستند إلى أساس قانوني.
ولفت إلى أن تنظيم السلطة القضائية في ليبيا لم يرد بشكل دستوري تفصيلي منذ تأسيس الدولة، بل اقتصر على مبادئ عامة مثل استقلال القضاء، وحياديته وضمان حقوق الدفاع، في حين تولت القوانين المتعاقبة تنظيم السلك القضائي عبر مراحل تشريعية مختلفة منذ سنوات 1963 و1976 و1988، مرورًا بمختلف الأجسام التشريعية وصولًا إلى مجلس النواب الحالي.
وأضاف أن القوانين المنظمة، ومنها ما يتعلق بالمحكمة الدستورية، صدرت عبر السلطة التشريعية، وهو أمر اعتبره طبيعيًا في السياق القانوني الليبي، مشيرًا إلى أن القانون رقم (6) مطروح للتطبيق من قبل مصرف ليبيا المركزي، في وقت يواجه فيه اعتراضًا من مجلس الدولة.
وفي سياق متصل، أشار الديباني، إلى وجود التباس بشأن بعض الإجراءات المالية، لافتًا إلى الحديث عن فرض ضريبة على بيع النقد الأجنبي، إلى جانب تساؤلات حول مصير نحو 23 مليار دينار لم تتضح أوجه إنفاقها، وعدم وضوح آليات تغطية العجز أو الصرف.
وبين أن القانون ينص على خصم نسبة 3% من إيرادات الخزانة العامة الناتجة عن النفط والغاز ومشتقاتهما، إضافة إلى بنود تتعلق بحصة الخزانة من أرباح مصرف ليبيا المركزي وفق قانون المصارف رقم (1) لسنة 2005 وتعديلاته، فضلًا عن رسوم إضافية على مبيعات النقد الأجنبي، معتبرًا أن المصرف المركزي لم يوضح بشكل كافٍ آليات تطبيق هذه البنود.
وتطرق الديباني ، إلى القانون رقم (30) لسنة 2023 بشأن تكوين احتياطي عام لسداد الدين العام، مشيرًا إلى غياب الشفافية فيما يتم استقطاعه أو تحقيقه أو أوجه صرفه، مؤكدًا أن هذه الآليات لا تخضع لإفصاح واضح يحدد مسار الأموال العامة.
واعتبر أن الحديث عن فساد مشرعن أو غير مشرعن لا يغير من حقيقة الفساد ذاته، مشددًا على أن ما يتم تداوله من إنفاق واسع النطاق في مراحل سابقة، وفق تقارير ديوان المحاسبة، ساهم في إرهاق الدين العام، لافتًا إلى أن جميع هذه المصروفات تُدرج ضمن الموازنة العامة وتتحول إلى دين عام.
وانتقد الديباني ، ما وصفه بتجزئة ملف الدين العام جغرافيًا أو سياسيًا، معتبرًا أن ذلك يمثل إخلالًا بالمعالجة الشاملة للملف المالي، مشددًا على أن القوانين التي تُشرعن الإنفاق، سواء في صندوق الإعمار أو غيره، تستند إلى أطر تشريعية قائمة وتم اعتماد ميزانيات لها بموافقة الأجسام التشريعية.
وأكد أن مجلس النواب، يتمتع بصفته التشريعية وفق الاتفاقات السياسية، مع وجود تنسيق مع مجلس الدولة في بعض الملفات، خصوصًا ما يتعلق بالمناصب السيادية والميزانيات، معتبراً أن أي نقاش قانوني يجب أن يستند إلى الأطر الدستورية والتشريعية المعتمدة.
وتابع: أن تجاوز مرحلة الخلافات دون محاسبة أو تدقيق يُعد أمراً غير منطقي، متسائلاً عن كيفية الانتقال إلى مرحلة جديدة دون معرفة حجم الالتزامات المالية وأوجه صرفها، ومؤكداً ضرورة مراجعة ما تم صرفه وتحديد المستفيدين ومسارات الأموال بشكل واضح.
وأشار إلى أن النقاش حول الدين العام لا يجب أن يُختزل في صراع سياسي بين مجلس النواب ومجلس الدولة، لافتاً إلى أن مجلس الدولة لا يملك صلاحية الاعتراض على القوانين الصادرة عن مجلس النواب إلا فيما يتعلق ببعض الملفات المنصوص عليها في الاتفاق السياسي، مثل المناصب السيادية.
واعتبر الديباني ، أن ما يُطرح حول الدين العام بات يُستخدم كـ فزاعة سياسية ، على حد وصفه، مستشهداً بأمثلة من دول كبرى ذات مديونية مرتفعة دون أن يؤدي ذلك إلى فرض سياسات ضريبية مباشرة على المواطنين، وفق تعبيره، داعياً إلى ترشيد الإنفاق ومراجعة أوجه الصرف، بما في ذلك الرحلات والسفريات والبعثات والإنفاق الإداري.
وشدد على أن ملف الدين العام لا يمكن معالجته عبر إجراءات مالية فقط، بل يتطلب تسوية شاملة تقوم على المحاسبة والشفافية وإعادة ضبط منظومة الإنفاق العام منذ عام 2014، باعتبارها المرحلة التي شهدت تفاقماً في الإنفاق خارج الأطر التقليدية للموازنة العامة.
وقال: إن ما يُتداول بشأن مبادرات تهدف إلى توحيد الإنفاق التنموي ضمن مسار اقتصادي مهيكل، يواجه تباينًا في المواقف بين المؤسسات المعنية، مشيرًا إلى أن بعض الجهات أبدت اعتراضها على مخرجات اجتماعات اقتصادية عُقدت في تونس، واعتبرتها غير ملزمة رغم الالتزام بالقوانين الليبية النافذة.
وأضاف أن تقييم المواقف الصادرة عن بعض المسؤولين يجب أن يأخذ في الاعتبار طبيعة الانقسام المؤسسي القائم، مؤكدًا أن مصرف ليبيا المركزي يظل الجهة الأكثر تأثيرًا في إدارة السياسات النقدية والمالية على امتداد البلاد، وفق تعبيره.
وأشار إلى أن المركزي، باعتباره الجهة المشرفة على النظام المصرفي، يمارس تأثيرًا مباشرًا على مختلف المصارف العاملة في ليبيا، عبر سياسات وإجراءات تنظيمية، لافتًا إلى أن هذا الدور يتعزز في ظل غياب التوافق على توزيع واضح للصلاحيات المالية بين المؤسسات.
وفي سياق حديثه، تطرق الديباني، إلى الجدل الدائر حول سياسات النقد والعملة، بما في ذلك مسألة طباعة العملة وإدارة فئاتها، معتبرًا أن أي اختلال في السياسة النقدية ينعكس مباشرة على قيمة الدينار الليبي وقدرته الشرائية، وسط استمرار التحديات الاقتصادية.
كما أشار إلى البيان الصادر عن صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، موضحًا أنه جاء في سياق رفض مخرجات بعض الاجتماعات الاقتصادية، بحجة أنها قد تعرقل مسار مشاريع التنمية والإعمار، مؤكداً في الوقت ذاته أن للصندوق صلاحياته القانونية في إدارة وتنفيذ برامجه التنموية.
وأضاف أن الخلاف حول السياسات الاقتصادية يرتبط أيضًا بمسألة الموازنات العامة والتوجهات التقشفية المطروحة، وما قد يترتب عليها من تأثيرات على مشاريع التنمية والإنفاق العام.
وأشار إلى أن المبادرات الدولية المطروحة لحل الأزمة الليبية، بما في ذلك المبادرات الأمريكية، تأتي في إطار محاولة إعادة تشكيل المسار السياسي والاقتصادي، مرجحًا أن أي تسوية مستقبلية قد تتجه نحو تفاهمات أو ترتيبات موازية لمعالجة ملف التنمية والإنفاق، ضمن تسويات سياسية أوسع.
هذا المحتوى مقدم من الساعة 24 - ليبيا
