تُعد أشكال النقش والكتابة على النحاس من أبرز الفنون التقليدية المغربية، التي وسمت بطابعها العديد من المآثر التاريخية والتحف الفنية على مر العصور، وخاصة منذ عصر دولة بني مرين، حيث ازدهرت مجالات النقش على الخشب والجبص والزليج وعلى الرخام ثم النحاس، الشيء الذي يتطلب مهارة فائقة في استعمال الأدوات والتنميق، وموهبة خاصة في هندسة الخط والزخرفة والتوريق جميعاً، وهي كلها تستوجب من الباحثين والمهتمين فتح هذه الصفحة وتعميق السؤال فيها من حيث دلالاتها التاريخية والمعمارية والفنية، علماً بأن الفن الإسلامي عموماً احتفى بالخط وجماليته، والنقوش الأفقية على الجبص والخشب والرخام غالباً، وعلى أساس توازن محسوب ودقيق بين البعدين الفني والروحي، والتي تتمحور حول الآيات القرآنية، وربما يشكل الأمر تعويضاً معيناً عن غياب التصوير، خاصة في الفضاءات ذات الطابع الديني.
ويدخل ذلك أيضاً في إطار التأثير الأندلسي الواضح، مع استلهام الخصوصية المغربية من حيث العمران وأشكال التحف والأواني، ونذكر هنا توظيف الكتابات للتعريف بتلك التحف العمرانية والفنية، وهو ما نلحظه خلال نفس العصر فيما يخص المساجد والمدارس والزوايا والقصور والمارستانات، إلى درجة أن الكثير من تلك الكتابات يعد في الواقع وثائق إبيغرافية من الطراز الأول (Épigraphique)، تفيد لا فقط المهتمين بفن الخط العربي (الكوفي المورق والنسخي منه أو المغربي والأندلسي)، بل أيضاً المؤرخين والباحثين عن توثيق لتأسيس المعالم المختلفة وأصحابها الذين تنسب إليهم.
تدخل في مجال النقش والكتابة على النحاس التحف التي تزين المساجد والزوايا المغربية، زيادة على المدارس المرينية، كالثريات والفوانيس والمصابيح النحاسية، تضاف إلى الأواني المنزلية (البراد – أواني الحمام التقليدي – الصحون – الدلي…)، وهي لا تشير إلى الجانب الجمالي فقط، بل تحمل أيضاً رموزاً وإشارات للهوية المغربية الغنية بالأبعاد المتعددة، وتكون الكتابة غالباً مواكبة لتلك الرموز. ويُسجل أنه خلال العصر المريني ازدهر هذا الفن الرفيع إلى جانب النقش على الخشب والزليج والجبص، كما نلحظ في العديد من مدارسهم التي أسسوها لملء الفراغ على مستوى اتجاههم الديني والأيديولوجي، ومن ثمة تكوين طلبتهم وأطر دولتهم، كما نجد في المدرسة البوعنانية بفاس، حيث كتب على أحد جدرانها بيت شعري كالتالي:
أنا مجلس العلم فاحلل به ….. تكن كيف شئت فذا عليما
وهو نفس الطابع التوثيقي الموجود باللوحة الرخامية في قاعة الصلاة بكل من مدرستي الصهريج والعطارين في فاس، وتشمل تاريخ التأسيس (725 هــ بالنسبة لمدرسة العطارين). وقد تصحب تلك اللوحة غالباً ذكر الأملاك الوقفية المجراة على المنشأة من طرف السلاطين وغيرهم من المحبسين، وهي ظاهرة معمارية فريدة من نوعها، يمكن معاينتها في مختلف المنشآت المرينية. وقد تُصاغ غالباً في قالب شعري يخبر عن تاريخ تأسيس المعلمة وبانيها (السلطان المريني عموماً) عبر وصف لمحاسنها وبعض أدوارها، وفي الغالب الأعم لا يُذكر الناظم، مما يزيد الظاهرة إثارة. وربما يرجع ذلك إلى نوع من نكران الذات، وهذا لا يزيد عن تأويل شخصي، باعتبار أن اللوحة ذات طابع عمومي، وتشمل حاضر تلك المعلمة (أي الفترة المعاصرة لها) وما يستقبل من الأيام أو السنين والأعوام وحتى القرون، لذا اعتمد الناظم المجهول في أغلب الحالات.
نلحظ وجود نفس الكتابات الأثرية في المدرسة العنانية بمدينة سلا، والتي كان ابتداء بنائها سنة 733 هــ/1332 م، أي في عهد السلطان أبي الحسن المريني، وفق ما هو مكتوب على بابها نقشاً في الخشب الموجود فوق القوس الحجري، ونصه كما يلي:
أقتضى أمر أمير المسلمين…… هذه السنة في أسعد حين
لثلاث وثلاثين بــــــــــــها ……. أسست والسبعمئيـــــــــن
اضرعوا الله في النصر له…… ادخلوها بسلام آمنـــــــين
وتم الفراغ من بناء تلك المدرسة سنة 742 هــ/1341 م حسب الرخامة المنصوبة بحائطها الجوفي داخل المدرسة، ودائماً في عصر أبي الحسن (دفن بشالة بعد وفاته سنة 752 هــ). وكثير من تلك النقوش والكتابات قد أصبحت مع الأيام أثراً بعد عين، بكل أسف.
ونجد نفس النمط من الكتابة بمدرسة مكناس المرينية (العنانية أيضاً) وتسمى المدرسة الجديدة، وقد تأسست في عهد أبي الحسن وأتمها ابنه أبو عنان، إذ توجد قصيدة شعرية على يمين وشمال محراب قبتها، وقد كتبت ونقشت على الجبص، وتشمل تاريخ بنائها (736 هــ/1335 م)، وغالباً فهذا النقش ما زال موجوداً بنفس المعلمة.
وفي المقابل، فقد أُزيلت مثل تلك الكتابات بعد نهاية العصر المريني، وعُوضت بكتابات ونقوش أخرى تمجد السلطان السعدي مثلاً (وهو هنا عبد الله الغالب)، وتلك حالة مدرسة ابن يوسف بمراكش والتي تعود بدورها إلى العصر المريني، غير أن العديد من الإصلاحات دخلت عليها في عهد السعديين، ويجب تفرقتها عن جامع ابن يوسف الذي يرجع إلى عصر المرابطين.
ومن المفيد حقاً المقارنة بين ما ورد في تلك اللوحات الخشبية أو النقشية أو الرخامية، وبين المظان والحوليات التاريخية، مثلما نجد عند ابن الخطيب في شأن مدرسة سلا حول أحد أعلامها الذين استقروا بالمدينة ودرَّسوا بمنشأتها المرينية، ونقصد خاصة تواريخ بناء مثل تلك المنشآت وأصحابها المنسوبة إليهم، كما نجد عند ابن أبي زرع الفاسي في “الأنيس المطرب”، وعند الجزنائي في “جني زهرة الآس”، وعند ابن الأحمر وابن مرزوق، وإشارات المقري وابن خلدون وغيرهم. ويبقى الهدف تعزيز الحقيقة التاريخية وصدقية أخبار الحوليات والمؤلفات المعنية.
يمكن اختصار الأمور المشتركة بين هذا النوع من الكتابات الإبيغرافية الوثائقية فيما يلي:
الأشعار هي عبارة عن منظومات قصيرة على وجه الإجمال، لا تتعدى غالباً سبعة أبيات، وهي تحتفي بالمكان والزمان وشخصية المؤسِّس لا غير، وليس فيها صور فنية، ولا تتضمن بلاغة معبرة، فهي أقرب إلى النظم التعليمي على شاكلة ألفية ابن مالك في النحو وأرجوزة ابن بري في علم القراءات. ونستنتج بأن غاية وأهمية هذه الكتابات تتجلى في مد المهتمين بالتواريخ والمعلومات، وربما أيضاً لهذا السبب الفني لم يرد فيها صاحب النظم أو الشاعر أيضاً.
حاول بعضهم اكتشاف أسماء بعض الناظمين، كما هو شأن القصيدة الشهيرة في ثريا مسجد تازة الأعظم، وكذا في المدرسة العنانية بسلا، حيث نسبت تلك الأشعار المنقوشة في الزليج بمدرسة سلا إلى أبي العباس أحمد بن حفيد السلوي، اعتماداً على كونه ظل ملازماً لمجلس أبي عنان المريني، والذي أسند إليه بناء المدرسة المعنية. وجدير بالذكر أن أغلب تلك النقوش اختفت مع الزمن وحوادث الأيام، ولم يبق منها إلا القليل.
أغلب تلك الأشعار تتحدث بلسان المعلمة المعنية عبر ضمير المتكلم، سواء تعلق الأمر بثريا معينة أو مدرسة محددة أو زاوية ما، وكانت هناك استثناءات، مثلما ورد في النقش الخشبي الموجود على باب المدرسة العنانية المرينية بسلا. وأما نموذج لسان المعلمة فيمكن التمثيل له من ثريا تازة:
ياناظراً في جمالي حقق النظرا….. ومتع الطرف في حسني الذي بهرا
أنا الثريا التي تازا بي افتخرت….. على البلاد فما مثلي الزمان يـــــرى
وكذا من البيتين المنقوشين على بوابة المدرسة المرينية الحسنية بنفس المدينة:
لعمرك ما مثلي بمشرق ومغرب……. يفوق المباني حسن منظري الحسن
بناني لدرس العلم مبتغــــــياً به….. ثواباً من الله الأمير أبو الحســـــــــــــن
اعتماد الخط الكوفي المغربي في أغلب تلك الكتابات الشعرية، سواء منها التي كتبت على النحاس كما هو الشأن بالنسبة لثريا تازة، أو التي نقشت على الخشب أو الزليج، مثلما هو حال المدرسة البوعنانية بفاس ومدرسة سلا، ما يعني إدماج البعد الجمالي البصري الذي يضفي رونقاً خاصاً على اللوحة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
