في الخليج، لا يُقاس الأمن الغذائي بما إذا كانت السلع موجودة على الأرفف اليوم، بل بقدرة الدول على إبقائها هناك حين تتعطّل التجارة العالمية أو تختنق الممرّات البحرية.
هذا بالضبط ما وضعه اختبار مارس 2026 على المحكّ، حين أُغلق مضيق هرمز وانهارت حركة العبور البحري بأكثر من 80% وسحبت شركات التأمين العالمية تغطياتها للمنطقة،وتعطل جزء كبير من سلاسل الإمداد.
تستورد دول الخليج العربي الست (السعودية والإمارات والكويت وسلطنة عمان والبحرين وقطر) ما بين 98% من غذائها، ويمرّ ثلث تجارة الأسمدة العالمية عبر مضيقها الأهمّ، وجدت نفسها أمام السؤال الأصعب: هل نجحت استراتيجيات الخليج في تحصين أسواقها؟.
والجواب الذي أفرزته الأسابيع الأخيرة منذ بدء حرب إيران هو أنّ الخليج لم يعد هشاً كما كان قبل عقدين، لكنّه لم يبلغ مرحلة المناعة الكاملة بحسب خبراء حاورتهم «إرم بزنس». حيث أدركت دول المجلس أنّ الأمن الغذائي لم يعد ملفَاً زراعياً بل قضية أمن قومي، فتحوّلت من نموذج الاستيراد وقت الحاجة إلى سيادة لوجستية وإنتاجية متكاملة.
الطاقة أولاً ثم الغذاء.. كيف تدير مصر تداعيات توترات الخليج اقتصادياً؟
مخزونٌ يشتري وقتاً
أوّل خطوط الدفاع كان المخزون الاستراتيجي، وهنا تتفاوت الأرقام لكنّها جميعها مطمئنة. فالسعودية تحتفظ بـ3 ملايين ونصف مليون طن من القمح وحده، والإمارات تملك مخزوناً يغطّي «6 أشهر» لتَسع سلع أساسية خاضعة لرقابة سعرية صارمة، فيما تحتفظ قطر بمخزون يكفي «18 شهراً» من السلع الغذائية و «4 أشهر» من المياه، مدعوماً بصوامع ميناء حمد ومستودعات الوكير بطاقة تتجاوز 250 ألف طن.
وفي الكويت أعلنت الحكومة أنّ مخزون البلاد يغطي «6 أشهر إلى عام كامل» ويصل في الأرز إلى عامين، وأصدرت قرارين فوريين بحظر تصدير الغذاء وتثبيت الأسعار. أمّا البحرين فيغطّي مخزونها الإجمالي -بين الاستراتيجي والموازي- ما بين «6-8 أشهر».
يصف الدكتور فوزي بهزاد، مؤسّس بورصة البحرين، هذا الوضع بأنّه ليس صنيع اللحظة بل قرار استراتيجي من سنين طويلة، مؤكّداً أنّه لا يوجد اليوم أيّ تأثير يُذكر على الأسواق الخليجية.
د. فوزي بهزاد مؤسس بورصة البحرين ومستشار أسواق المال، بتاريخ 4 مارس 2026.
المصدر: حساب د.فوزي بهزاد على منصة (X).
ممرّاتٌ تحت الاختبار
خلال أزمة هرمز، تحوّلت الموانئ الواقعة خارج المضيق إلى شرايين حياة. يوضّح الخبير الاقتصادي خلفان الطوقي، أنّ أربعة موانئ عُمانية «صحار وصلالة والدقم والسلطان قابوس» إضافة إلى ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر، شكّلت معاً خطّة بديلة فعلية، حيث تُفرَّغ البضائع ثمّ تُنقل براً عبر المعابر إلى الإمارات وقطر والكويت والبحرين.
وفي الإمارات، برزت صوامع الفجيرة الاستراتيجية التي بُنيت استباقياً عام 2016 على الساحل الشرقي خارج المضيق بطاقة 300 ألف طن، لتصبح الرئة التي تتنفّس منها الدولة، فيما شكّل جسر الملك فهد شريان الحياة الوحيد للبحرين. لكنّ «الطوقي» يضع حداً واقعياً للتفاؤل على المدى القريب متوقعاً أن هذه الممرات لن تغذي 60 مليوناً بالكامل فوراً لأن الطاقة الاستيعابية ستكون تدريجية لا فورية.
«ميرسك» تستخدم «الجسر البري» في الخليج لتأمين إمدادات الغذاء والدواء
استثمارٌ بلا ضمانات
أمّا الرهان على الاستثمارات الزراعية الخارجية فيواجه اختباراً من نوع مختلف. تملك دول الخليج مزارع ضخمة موزّعة على قارات عدّة، «سالك» السعودية تستحوذ على أراضٍ في أميركا الجنوبية وأستراليا وكندا، و«الظاهرة» الإماراتية ضخّت 500 مليون دولار في مصر ومثلها في أنغولا لزراعة 70 ألف هكتار قابلة للتوسّع إلى 100 ألف، و«حصاد» القطرية تدير 13 مزرعة في أستراليا بمساحة 750 ألف هكتار واستثمارات بنحو 500 مليون دولار.
لكنّ فاضل الزعبي، الرئيس السابق لبعثة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو»، ينبّه إلى أن هذه الاستثمارات تظل مرتبطة بقرارات الدول المضيفة، التي قد تعيد توجيه الإنتاج للسوق المحلي في الظروف الاستثنائية. ويستشهد بأنّ السودان أعاد توجيه الإنتاج لسوقه المحلي، وأنّ إثيوبيا فرضت قيوداً تصديرية على مزارع قطرية، وأنّ الحرب الأوكرانية جعلت استثمارات «الظاهرة» رهينة للقرارات السيادية في كييف.
تضخّمٌ لا نقص
وهنا تكمن المفارقة الجوهرية. فالخطر على الأمن الغذائي الخليجي لم يعد يعني رفوفاً فارغة، بل تضخّماً مستورداً يصل عبر قنوات متعدّدة، كلفة الشحن المرتفعة، وأسعار الطاقة، والأسمدة التي يمرّ ثلث تجارتها العالمية عبر هرمز، وأقساط التأمين البحري المتصاعدة.
يؤكّد بهزاد أنّ البنزين ارتفع بين «25% - 35%» عالمياً مقابل نسب أقلّ بكثير على المواطن الخليجي، لكنّ الفرق سيظهر لا محالة إذا طال أمد الحرب، ليس لقلّة المتوفّر بل لارتفاع الأسعار نتيجة مصاريف الشحن والتأمين.
الفاو بدورها تضع القمح والأرز والزيوت النباتية والأسمدة تحت ما يسمّيه الزعبي «المراقبة الحمراء»، محذّراً من أنّ معظم دول الخليج تستورد بين «90 و 100%» من احتياجاتها من هذه السلع تحديداً.
د.فاضل الزعبي، الرئيس السابق لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) وخبير الأمن الغذائي الدولي بتاريخ 4 مارس 2026.
المصدر: حساب د.فاضل الزعبي على منصة (إنستغرام).
زراعةٌ واعدة لا كافية
على صعيد الإنتاج المحلي، بدأت الزراعة العمودية والمائية تدخل السوق بأرقام ملموسة، إذ بلغت الإمدادات 900 طن سنوياً من مزرعة واحدة في دبي، يضاف لها مشاريع مماثلة في أبوظبي والرياض. لكنّ الزعبي يصفها بأنّها «مكمّلات لا بدائل»، إذ تتركّز في الخضروات الورقية بينما تبقى الحبوب والزيوت شريان الحياة الغذائية خارج نطاقها. القيمة الحقيقية لهذه المشاريع استراتيجية لا إنتاجية، إثبات أنّ الخليج قادر على الزراعة في بيئة صحراوية، لكن ليس بالحجم الذي يُغني عن الاستيراد.
«الفاو»: أسعار الغذاء العالمية تقفز في مارس بضغط ارتفاع تكاليف الطاقة
سباقٌ مع الزمن
ما يجعل تحديات الأمن الغذائي الخليجي قصّة نجاح جزئي لا انتصار نهائي، هو أن المنطقة بنت مرونة تشغيلية حقيقية مخزونات عميقة وموانئ التفافية وتنسيق إقليمي عبر الأمانة العامة لمجلس التعاون. لكنّها لم تُلغِ هشاشتها البنيوية المتمثّلة في الاعتماد الكثيف على الاستيراد والأمن المائي الهشّ.
يختصر الطوقي المرحلة المقبلة بعبارة واحدة، «الوحدة الخليجية اللوجستية أصبحت إلزاماً، وما كان مؤجّلاً يجب أن يُطبَّق فوراً». وإلى أن يتحوّل هذا الإلزام إلى مخزن غذائي مشترك - على غرار مشروع الدواء الخليجي المشترك - وشراء جماعي موحّد وربط سككي يصل موانئ بحر العرب بقلب العواصم الخليجية، سيظلّ الخليج أكثر استعدادًا للصدمات.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس


