الأحاديث كثيرة وممتدة عن جيل زد في الحياة المصرية، ويبدو من الأحاديث أن ثمة مخاوف على هذا الجيل، ومصدر المخاوف أو القلق أنه جيل مختلف- بحكم لحظته التاريخية- في مصادر المعرفة والتعلم، يُسمى الجيل الرقمي، الذي يتعامل مع السوشيال ميديا والإنترنت، ولا يؤمن بالتعليم التقليدي، بل يمكن أن يتعلم عبر النت أو عن بُعد، ويحصل على أرفع الدرجات العلمية.
لو تأملنا المسألة من منظور أوسع، فإن مصادر المعرفة باتت مختلفة ومتنوعة بالنسبة للجميع وليسوا هم وحدهم، لم نعد ننتظر جريدة الصباح لمعرفة أحدث الأخبار، ذلك أن الخبر بات يصلنا بالصوت وبالصورة في توقيت حدوثه على شاشة التليفون، ولا ننتظر حتى أن نراه على الفضائيات.
يُصنَّف المواليد من سنة 1997 وحتى سنة 2012 تحت مسمى جيل زد ، طبقًا لتصنيف قديم يحدد مدة الجيل 15 عامًا، قبل ذلك وحتى منتصف القرن العشرين، كان علماء الاجتماع يحددون مدة الجيل ربع قرن وربما ثلاثين عامًا أو أكثر قليلا، وفي اللحظة الراهنة يذهب علماء الاجتماع إلى أن اتساع نطاق الإنتاج المعرفي وتطور الأحداث في العالم جعل مدة الجيل أربع سنوات فقط، ومن المتوقع أن تصبح سنتين فقط بعد سنة 2030، أي أن إيقاع التجدد في الحياة بات أسرع.
قبل ذلك، كانت هناك إمكانية للتحكم في مصادر المعرفة، حيث عرفت الكثير من المجتمعات والدول فكرة الرقابة والحجب، أن تُحجب فكرة ما أو كتاب بعينه، حتى الدول التي لم تكن تؤمن بالشكل الحاد أو العنيف للرقابة، كانت لديها الرقابة الناعمة، حين كانت الولايات المتحدة تخشى انتشار أفكار كارل ماركس بين شبابها، وكانت روسيا أو الاتحاد السوفيتي تمارس الرقابة الصارمة، وفي بلادنا كانت هناك أشكال من الرقابة، فلو أن هناك كتابًا أو عملًا أدبيًا غير مرغوب فيه، لا تجده في المكتبات العامة ولا يتم تناوله في الكتب المدرسية ولا البرامج الإذاعية.
الآن، بالنسبة لجيل زد، ولكل الأجيال، لم يعد ممكنًا حجب فكرة أو معلومة، ذلك أن المواقع والمنصات الإخبارية والمعلوماتية باتت متاحة للجميع، كلٌّ في بيته وعلى الجهاز الذي يستعمله.
وكانت مؤسسات النشر والنقاد لها كلمة حول جودة العمل وقيمته الفكرية والأدبية، ولم يكن يُسمح بالظهور والنشر إلا لأعمال وصلت إلى مستوى معين وتوفرت فيها شروط أدبية ونقدية متفق عليها، حاليًا تراجعت مثل هذه الحواجز وربما سقطت لدى البعض، وظهرت بدلًا منها معايير جديدة لم تكن موضع اعتبار من قبل، وهذا ما أدى لدى البعض إلى ضعف أدبي وثقافى عام، فلم تعد هناك أعمال جديدة في وزن الحرب والسلام لتولستوي أو الإخوة الأعداء لدوستويفسكي، ولا الحرافيش وثلاثية نجيب محفوظ أو شجرة البؤس و دعاء الكروان لطه حسين.
من بين المعايير التي برزت الآن في المجال الأدبي ما يُسمى بيست سيلر أي الأعلى توزيعًا والأكثر إقبالًا من القراء، لذا يتنافس الكُتّاب ودور النشر في ذكر عدد الطبعات التي حققها كل عنوان في مدى زمني قصير.
في أثناء معرض القاهرة الدولي للكتاب يناير الماضي، هوجمت إحدى الروايات، فرد كاتبها أن الرواية طُبعت ثلاث طبعات في أول أسبوع من ظهورها، ومن قبل كان مثل هذا الكلام يثير السخرية من صاحبه ومن العمل الذي يُشار إليه.
ليست المسألة وقفًا على المجال الأدبي، تقابلها في الدراما مقولة مماثلة هى الأعلى أجرا والأكثر مشاهدة، ويتم اختزال ذلك فى مصطلح نمبر وان ، قبل خمسين عامًا، كانت أفلام المخرج حسن الإمام تحقق إقبالًا جماهيريًا لافتًا مقارنة بأفلام صلاح أبو سيف ويوسف شاهين، واعتُبر ذلك مأخذًا نقديًا على أعمال حسن الإمام، فقد كانت الجماهيرية الطاغية دليلًا على عقلية الكم لا الكيف، وكان الانحياز والتقدير للكيف وليس للكم.
الواقع أن وسائل الاتصال الحديثة راحت تفرض شروطها، وأبرز تلك الشروط هو الجماهيرية ، أي زيادة الزيارات للموقع أو للمنصة، بغض النظر عن تأمل ما تنطوي عليه تلك الزيارة.
من قبل، كان الكاتب أو الفنان يقدم عمله وينتظر بتهيب رأي الجمهور والمتابعين، الآن يُقال لك بالحرف: لا تنسَ لايك الإعجاب ، أي أنه يحدد لك الموقف الذي يجب أن تتخذه وتعبر عنه، الإعجاب وليس الانتقاد ولا إبداء ملاحظة أو وجهة نظر أخرى.
تبدو المشكلة أوضح وربما أخطر بكثير في المجالين الديني والسياسي.
في الجانب الديني، كانت المؤسسة الدينية ورجالها، بغض النظر عن الدين ذاته، تمتلك القول الفصل في كثير من الأمور بالنسبة لأتباعها، كانت كلمة الإمام أو الشيخ مسموعة ومطاعة، وكانت موعظة الكاهن كافية، لكن الأمر اختلف بالنسبة للأجيال الجديدة، صارت لديهم مصادر متعددة لتلقي الأفكار والآراء، بالإضافة إلى الأفكار وربما العقائد المضادة، إن صح التعبير.
وهكذا حدث على مستوى بعض الشبان في مواقع التواصل تنابز بين المذاهب داخل الدين الواحد، وتنابز وتباغض بين الأديان والعقائد ذاتها، والملاحظ أنك يمكن أن تجد مواقع ومصادر ومنصات ليس هدفها الدفاع عن دين بعينه أو مذهب بذاته، بل للتشكيك في دين أو مذهب آخر، وإلى جوار ذلك هناك منصات ومواقع للملحدين الذين يرفضون فكرة الأديان ومعنى الإيمان بالله، كل هذا معروض عليهم، وقد يتابعونه، ربما من باب الفضول أو من باب الرد أو تبني موقف ما.
على أن المسألة لا تقف عند هذا الحد، بل تبين أن جماعات العنف والإرهاب، المؤسسة على أفكار منسوبة إلى دين ما أو تيار سياسي بعينه، راحت تستقطب أعضاء جدد عبر مواقع النت، بل تعلمهم وسائل العنف والقتل، ومنها تصدر لهم تكليفات بعمليات معينة، ويُعد تنظيم داعش من أبرز من نجح في هذا المجال، حيث تمكن من توظيف الشبكة المعلوماتية لاستقطاب عناصر وتنفيذ جرائم يخطط لها في عديد من المدن والبلدان حول العالم.
وبعض عصابات الإجرام، مثل سرقة الأعضاء وتهريب الأموال والسطو على أموال البعض، وأخيرا سرقت أحد المتاحف فى فرنسا، وجدت لها ملاذًا في تلك الشبكات وبعض المواقع.
وسط هذا كله يتعايش بعض الشبان والفتيات، لذا يفاجأ الأهل أحيانًا أن الابن حدثت له تحولات مذهبية أو عقائدية وسياسية دون أن يعلموا، ولا حتى أن ينتبهوا للتحول الذي وقع أمامهم.
بعض الشباب ينتقلون من حالة السلام والود التي عُرفوا بها إلى اعتناق أفكار تدعو إلى العنف، ثم يتورطون في جرائم عنف وممارسة الإرهاب، والحالات عديدة في بلادنا وفي العديد من بلدان العالم.
لكن في المقابل، عبر هذه الوسائط، أمكن لبعض الشبان استكمال دراساتهم الجامعية والعليا، وحصلوا على أرفع الدرجات، لأن هذه الوسائل وفرت لهم الوصول إلى المعلومات والمراجع المطلوبة بيسر وسهولة، فلم يعد بحاجة إلى أن يذهب إلى المكتبة العامة والجلوس بها ساعات، بحثا عن معلومة ما، ولا أن يسافر من بلد إلى بلد للاطلاع على وثيقة أو مخطوطة ما، ذلك بات متاحًا أمامه وهو في المنزل.
الوسائل عادة تكون محايدة، المهم هو طريقة استعمالنا وتوظيفنا لها، يمكن للباحث أن يستفيد بالاطلاع على المصادر والمراجع لتنشيط ذاكرته وتوسيع أفق البحث لديه، ويمكن لباحث آخر أن يقوم بالسطو على بعض هذه المواد وينسبها لنفسه، ويحدث ذلك من البعض هنا وهناك.
وهنا لا تصبح القضية متعلقة بجيل زد أو أي جيل آخر، بل هي قضية المجتمع كله والإنسانية برمتها.
اجتماعيًا، يجب فتح باب الحوار داخل الأسرة والمجتمع، ذلك أنك يمكن أن تجد أفراد أسرة يجتمعون معًا في مكان واحد، النادي مثلًا، لكن كل فرد منهم يعيش مع نفسه، يركز على شاشة أمامه وجهاز يستعمله، دون أن يتبادلوا معًا كلمة واحدة.
وإذا كان الحوار مطلوبًا وضروريًا، فإن أحد شروطه ألا يفرض جيل وصاية على جيل آخر أو يمارس ذلك، ونظرية أن كل جيل يرى نفسه آخر أجيال المحترمين ومن يأتون بعد ذلك أصفار، يجب أن تتوقف.
وفي التعامل مع شبكة المعلومات ومواقع التواصل، هناك تشريعات لابد من إصدارها لحماية حقوق الآخرين وتجنب عوامل التنمر والابتزاز وغير ذلك كثير.
وقبل كل ذلك وبعده، لا يجب أن نتخوف من وسائل التواصل أو نحاول تجنبها، فهي محايدة، المهم طريقة تعاملنا وتوظيفنا لها، وتعاملنا النقدى مع ما تقدمه من معلومات أو وقائع...لأن التزوير بات واسعا على بعضها، وأمامنا مشاهد الحرب الجارية الآن فى المنطقة، باختصار القضية الاستفادة منها أو جعلها مرتعًا للشر وللأشرار.
هذا المحتوى مقدم من بوابة دار الهلال
