عاد ملف المسجد الكبير التابع للزاوية القادرية البودشيشية بمداغ إلى واجهة النقاش العمومي، بعد تطورات جديدة وصفت بالصادمة، أعقبت زيارة لجنة رسمية متعددة الأطراف للوقوف على خروقات مرتبطة بتدبير هذا الفضاء الديني.
وحسب معطيات متطابقة، فقد حلت لجنة تضم ممثلين عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والسلطة المحلية، وعمالة إقليم بركان، إلى جانب الوقاية المدنية، في إطار مهمة ميدانية للتحقيق في ظروف إغلاق المسجد.
وقامت اللجنة بفتح أبواب المسجد، ومنحت الترخيص لشيخ الطريقة، معاذ القادري البودشيشي، من أجل استئناف إقامة الصلاة داخله، غير أن الحضور تفاجأ بوضعية وصفت بالمقلقة، بعدما تبين وجود حفر داخل أرضية المسجد، ما جعله غير مهيأ لاستقبال المصلين وإقامة الشعائر في ظروف عادية.
اتهامات لمحيط منير البودشيشي
وبحسب مصادر موثوقة من داخل الزاوية، فإن أعمال التخريب يشتبه في ارتباطها بمحيط منير البودشيشي، وهو ما زاد من حدة الجدل داخل الأوساط الدينية، ودفع مريدي الطريقة وفقرائها إلى المطالبة بفتح تحقيق عاجل لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات القانونية في حق كل المتورطين.
وتؤكد هذه المعطيات أن الأمر لم يعد يتعلق فقط بإغلاق المسجد، بل بتعطيل وظيفته بالكامل عبر إلحاق أضرار مادية به، ما يشكل سابقة خطيرة في تدبير فضاء ديني خاضع لإشراف الدولة.
أحداث متسارعة داخل فضاء تعبدي
وتعود أولى مظاهر التوتر إلى 23 يناير 2026، حين شهد المسجد أعمال عنف خلال خطبة الجمعة، أسفرت عن إصابة عدد من المصلين، في واقعة وصفت بالخطيرة نظرا لحرمة المكان وقدسيته. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن المصلين الذين تعرضوا للاعتداء من طرف عناصر من محيط ومقربين من منير القادري، بادروا إلى سلوك المساطر القانونية، حيث جرى تحرير ما يفوق 11 شكاية ومحاضر رسمية لدى سرية الدرك الملكي بمدينة السعيدية، في خطوة تعكس تصعيداً قانونياً في هذا الملف.
من مبادرة ملكية ومحسنين إلى إشراف رسمي
ويعد المسجد الكبير نموذجا لعلاقة المبادرات الدينية بالإشراف المؤسساتي، إذ انطلقت أشغال بنائه بمساهمات المحسنين من أتباع الزاوية، قبل أن تتدخل وزارة الأوقاف سنة 2017 لاستكمال المشروع وتوسيعه، بدعم ضمن هبة ملكية بلغت 10 ملايين درهم، ما أضفى عليه طابعا رسميا واضحا.
وفي 13 دجنبر 2019، تم إدراج المسجد ضمن السجل الوطني للمساجد بموجب القرار الوزاري رقم 418/19، ليصبح وقفا عاما خاضعا بشكل كامل لإشراف وزارة الأوقاف، وفق ما ينص عليه الإطار القانوني المنظم للأوقاف.
تأطير قانوني يمنع التصرف الفردي
ويعزز هذا الوضع ما تنص عليه التشريعات المؤطرة، خاصة ظهير 1984 ومدونة الأوقاف لسنة 2010، التي تؤكد أن المساجد تدخل ضمن الملك الوقفي العام، ولا يمكن التصرف فيها أو تغيير وظيفتها خارج المساطر القانونية وتحت إشراف الجهات المختصة.
غير أن هذا التأطير لم يمنع من تسجيل سلسلة من الأحداث التي أثارت قلقا واسعا، حيث برزت تحركات منسوبة إلى محيط مرتبط بمنير القادري بودشيش، تسعى إلى فرض واقع مغاير لطبيعة المسجد كمرفق عمومي مفتوح للعبادة.
تحويل المسجد إلى فضاء احتفالي
وفي تطور مثير للجدل، كشفت مصادر متطابقة أن يوم عيد الفطر شهد تنظيم إفطار داخل المسجد بإشراف من منير البودشيشي، حيث تم تحويل الفضاء الديني إلى ما يشبه قاعة حفلات داخل بيت من بيوت الله، وهو ما أثار انتقادات واسعة بالنظر إلى قدسية المكان.
كما تم تسجيل الشروع في أشغال داخل المسجد بتاريخ 26 مارس دون الحصول على التراخيص القانونية اللازمة، في خطوة اعتبرت تجاوزا صريحا للمساطر المعمول بها في تدبير الأملاك الوقفية.
إغلاق وتعطيل الشعائر بدون سند
وتفيد المعطيات المتوفرة أن قرار إغلاق المسجد تم دون ترخيص قانوني، ما أدى إلى تعطيل إقامة الصلوات، في خرق واضح للاختصاصات الحصرية لوزارة الأوقاف، التي تشرف على تدبير المساجد تحت إمرة إمارة المؤمنين.
ويأتي هذا التطور في وقت تؤكد فيه إمارة المؤمنين، من خلال توجيهاتها المستمرة، على فتح المساجد وضمان استمرارية أداء الشعائر في مختلف ربوع المملكة، ما يجعل هذه الواقعة محل تساؤل واسع، خاصة مع اتهام محيط منير القادري باتخاذ خطوات معاكسة من خلال إغلاق المسجد وتعطيل نشاطه الديني.
أبعاد قانونية وروحية حساسة
وتطرح هذه التطورات إشكالات عميقة تتعلق بحماية حرمة المساجد ومنع أي توظيف أو صراع داخلها، خاصة في ظل النموذج الديني المغربي القائم على وحدة المرجعية الدينية.
كما يرى متتبعون أن ما جرى يعكس محاولة لإضعاف الإشعاع الروحي للطريقة القادرية البودشيشية، عبر ممارسات تمس جوهر وظيفتها التعبدية، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول تدبير الشأن الديني وحدود التدخل فيه.
مطالب بالتحقيق والمحاسبة
وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد دعوات المريدين والفقراء إلى فتح تحقيق عاجل وشامل في هذه النازلة، مع تحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من ثبت تورطه في تخريب المسجد أو تعطيل الشعائر داخله.
ويجمع متتبعون على أن هذا الملف بات يشكل اختبارا حقيقيا لمدى احترام القوانين المؤطرة للمساجد، ولقدرة المؤسسات المعنية على حماية بيوت الله وضمان بقائها فضاءات مفتوحة للعبادة، بعيدة عن أي توظيف أو صراع.
هذا المحتوى مقدم من آش نيوز
