تشهد أوقات التقلبات والتحولات، سواء الناجمة عن تحديات اقتصادية أو تطورات جيوسياسية أو أحداث خارجية غير متوقعة، تزايد أهمية الأُطر القانونية التي تستند إليها الشركات العائلية، وفي ظل هذا النوع من الظروف تصبح هياكل الملكية وترتيبات الحوكمة وخطط التعاقب (succession planning) عناصر أساسية لحماية استمرارية الشركات وقيمتها، وضمان عملية اتخاذ قرارات منظّمة وسريعة، وتُظهر التجارب أن العائلات التي تبادر إلى اعتماد ترتيبات قانونية شاملة، مثل اتفاقيات الشركاء أو إنشاء هياكل قابضة أو مؤسسات تأسيسية رسمية، تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات والحفاظ على الاستقرار عبر الأجيال. وفي هذا المقال نُميّز بين مستويين: الاعتبارات الاستراتيجية والهيكلية العليا مثل الملكية والتحكّم، والجوانب التشغيلية مثل التنفيذ التشغيلي والإدارة، كما نستعرض من منظور قانوني مجموعة من المقترحات العملية التي ينبغي للشركات العائلية النظر فيها بمزيد من التفصيل. 1- مسائل الملكية وسلطة اتخاذ القرار المرونة الهيكلية يُعد إنشاء هياكل قابضة ملائمة وفصل الأنشطة التجارية عبر كيانات قانونية مستقلة آليةً أساسية للحد من المخاطر والمسؤوليات، فبهذه الطريقة يمكن احتواء الالتزامات الناشئة في أحدها، بما يحدّ من امتداد آثارها ويحمي المجموعة ككل من التعرض لمخاطر غير مبرّرة في الأوقات الصعبة.
أُطر الحوكمة والتعاقب ينبغي توثيق ترتيبات الشركاء وهياكل الحوكمة وخطط التعاقب بوضوح، مع مراجعتها بانتظام، كما يجب على الوثائق التأسيسية الأساسية، مثل النظام الأساسي للشركة واتفاقيات الشركاء ومواثيق حوكمة العائلة، أن تنظّم مسائل نقل الملكية وحقوق التصويت وانتقال القيادة، ويمكن أن تسهم بنود تعيين أعضاء مجلس إدارة بدلاء أو آليات تفويض الصلاحيات في ضمان استمرارية اتخاذ القرار عند غياب الأشخاص الرئيسيين أو تعطّلهم المفاجئ، لا سيما في الظروف غير المتوقعة. استخدام الهياكل الرسمية تشهد الهياكل المؤسسية، بما في ذلك المؤسسات (Foundations) أو الشركات القابضة متعددة فئات الأسهم التي أُنشئت في مركز دبي المالي العالمي أو سوق أبوظبي العالمي، تزايداً في الاعتماد عليها لإضفاء طابع رسمي على الملكية وتيسير الحوكمة السليمة والتخطيط للتعاقب، وتعمل هذه الهياكل على الفصل بين الملكية القانونية والمصالح الانتفاعية، وتوضيح آليات التحكم، ودعم استمرارية الأعمال عبر الأجيال، ونظراً لتعقيد هذه الترتيبات والحاجة إلى مناقشات موسّعة بين أفراد العائلة، قد يستغرق إنشاؤها عدة أشهر، لذا يُستحسن استباق العمل عليها قبل ظهور أي اضطرابات. تنويع الاستثمارات ينبغي أن تستند استراتيجيات التنويع إلى هيكلة قانونية ملائمة، غالباً من خلال إنشاء كيانات قانونية مخصّصة لكل نطاق قانوني، ويسهم ذلك في تمكين الشركات من اغتنام فرص أعمال جديدة، وإدارة الامتثال التنظيمي، والحد من المخاطر العابرة للحدود، وتعزيز حماية الأصول، ويُعدّ الحصول على مشورة قانونية وضريبية خطوة أساسية لضمان كفاءة هذه الترتيبات من الناحية الضريبية، ومواءمتها مع الأُطر القانونية المعمول بها. استراتيجية رأس المال والسيولة ينبغي إقرار سياسات تخصيص رأس المال، وتوزيع الأرباح، وإدارة السيولة رسمياً ضمن وثائق قانونية ملزمة، من بينها اتفاقيات الشركاء، كما أن وضع معايير واضحة تحدد شروط وظروف الاحتفاظ برأس المال أو توظيفه يعزّز الاتساق والانضباط، لا سيما خلال فترات الضغوط المالية. التأمين ونقل المخاطر يُعدّ وجود برنامج تأمين منظّم عنصراً أساسياً في إدارة المخاطر على مستوى الشركاء، كما ينبغي الحفاظ على تغطيات تأمينية ملائمة، مثل التأمين في حال انقطاع الأعمال، وتأمين مسؤولية أعضاء مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية، والتأمين من المخاطر السيبرانية، وذلك بما يتوافق مع طبيعة المخاطر التي تواجهها المجموعة العائلية، كما أن المراجعة القانونية لشروط وثائق التأمين وإجراءات المطالبات تضمن فاعلية التغطية عند الحاجة إليها، لا سيما في اللحظات الحرجة. 2- مسائل التنفيذ التشغيلي والإدارة المرونة التشغيلية ينبغي أن تتسم أطر الحوكمة بقدر كافٍ من المرونة بما يمكّن الإدارة من اتخاذ قراراتها في الوقت المناسب خلال فترات التحديات، ويمكن أن تتضمن الوثائق التأسيسية وتفويضات مجلس الإدارة أحكاماً تتعلق بتفويض الصلاحيات، وتعيين أعضاء مجلس إدارة بدلاء، وآليات اتخاذ القرار في الحالات الطارئة، لضمان استمرارية العمل عند غياب الكوادر الرئيسة أو تعذّر قيامها بمهامها دون سابق إنذار. تخطيط استمرارية الأعمال ينبغي إقرار خطط استمرارية الأعمال وخطط الطوارئ، مع مراجعتها دورياً، في حين يضمن الرأي القانوني مواءمتها مع الالتزامات القانونية والمتطلبات التنظيمية والتعهدات التعاقدية، وقد تنعكس هذه الترتيبات في محاضر اجتماعات مجلس الإدارة والسياسات الداخلية وأُطر إدارة المخاطر، بما يوفّر أساساً منظّماً للاستجابة التشغيلية. الأمن السيبراني والجاهزية الرقمية يتزايد اعتماد المرونة التشغيلية على وجود أُطر متينة للأمن السيبراني وحوكمة البيانات، لا سيما في أوقات التحديات، وينبغي للشركات العائلية الحفاظ على سياسات موثّقة تعالج موضوعات حماية البيانات وأمن الأنظمة وآليات الاستجابة للحوادث، على أن تكون مدعومة بعمليات اختبار دورية، كما يُعدّ الإشراف القانوني عنصراً أساسياً لضمان الامتثال للقوانين المعمول بها وإدارة المخاطر القانونية المحتملة والامتثال لمتطلبات الإخطار عند وقوع حادث سيبراني. تنفيذ استراتيجية التنويع على الرغم من أن قرارات التنويع تُتخذ على مستوى الشركاء، فإن تنفيذها يقع على عاتق الإدارة، وينبغي دعمه بهيكل قانوني مناسب، ويسهم استخدام كيانات معزولة قانونياً، مثل شركات الغرض الخاص، في تمكين توظيف رأس المال بكفاءة، مع الحد من انتقال المخاطر إلى العمليات القائمة، وعادةً ما تُوثَّق هذه الترتيبات من خلال الموافقات المؤسسية، بما يضمن وضوح الصلاحيات وتوزيع المخاطر. تحليل المخاطر التعاقدية وبنود القوة القاهرة ينبغي مراجعة العقود التجارية الجوهرية لتقييم أحكام القوة القاهرة وحقوق الإنهاء وحدود المسؤولية، وغالباً ما تختبر فترات التحديات كيفية تفسير هذه البنود ومدى قابليتها للتنفيذ، وتُمكّن المراجعة القانونية المستمرة الإدارة من تحديد مكامن المخاطر، والحفاظ على الحقوق التعاقدية، والاستجابة بطريقة مناسبة للمخاطر المرتبطة بالأطراف المتعاقدة. التواصل الداخلي وإعداد التقارير ينبغي إرساء خطوط واضحة لإعداد التقارير وبروتوكولات التواصل ضمن أُطر الحوكمة والسياسات الداخلية، بما يشمل التقارير الدورية وآليات التصعيد إلى مستويات إدارية أعلى خلال فترات التحديات، ويسهم ذلك في ضمان اتساق التوجه بين الإدارة الشركاء من أفراد العائلة، ودعم الامتثال للمتطلبات القانونية والتنظيمية، كما يجب اعتماد سياسات داخلية تُطبّق على مستوى المؤسسة، بما في ذلك سياسات التواصل، والعمل عن بُعد، والتعامل مع البيانات والصحة والسلامة، والإبلاغ عن الحوادث، لضمان استجابة منسّقة وفعّالة. الخلاصة ترتبط قدرة الشركات العائلية على الصمود في أوقات التحديات ارتباطاً وثيقاً بوضوح وفعالية أُطرها القانونية وأُطر الحوكمة لديها، ويُسهم اعتماد نهج منظّم -يراعي اعتبارات الملكية من جهة، والاستعداد التشغيلي من جهة أخرى- في تمكين العائلات من إدارة المخاطر، والحفاظ على استمرارية الأعمال، والاستجابة للتحديات بطريقة مدروسة ومنظمة، ونظراً لاختلاف الظروف الداخلية والخارجية لكل شركة عائلية، يُنصح باللجوء إلى مشورة قانونية متخصصة تُقدَّم وفق كل حالة على حدة. تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.
ناجي الحويّك، شريك، الشؤون المؤسسية في آدِلشو جودارد
غالية راشد، مستشارة، الشؤون المؤسسية في آدِلشو جودارد
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
