في لحظة يُفتَرض فيها أن تنشغل فرنسا، ومعها إعلامها العمومي، بترجمة التقارب الجاري مع المغرب إلى لغة سياسية وإعلامية أكثر اتزانا، اختارت قناة “France 5” أن تبث، يوم 5 أبريل 2026، وثائقيا بعنوان “Je t’aime moi non plus: France-Maroc” يعكس في الجوهر عقدة فرنسية متجذرة تجاه مغرب اليوم، لا كما كان يُراد له أن يبقى، فالفيلم الذي قُدم ضمن برمجة خاصة جاء في وقت تتحدث فيه الصحافة الفرنسية نفسها عن مشروع معاهدة ثنائية جديدة في أفق زيارة دولة مرتقبة للملك محمد السادس، أي في لحظة يُفتَرض أنها لحظة بناء سياسي جديد لا لحظة إعادة تدوير التوترات بعين قديمة ونظرة متحاملة.
المشكل في هذا الوثائقي يكمن في العقلية التي أُنجِز بها، فهو لم ينطلق من سؤال مهني بسيط وهو ما الذي تغير بين الرباط وباريس حتى وصل البلدان إلى هذه المرحلة الجديدة، بل انطلق من سردية جاهزة مفادها أن المغرب لا يفرض احترامه بوزنه التاريخي والإقليمي ولا بوضوح مواقفه وصدق نواياه، بل بما زُعم من أساليب ابتزاز واستقطاب و”فساد” وتلميحات سخيفة للضغط على فرنسا.
وبدل أن يفهم صناع الفيلم أن الرباط لم تعد تدير شراكاتها بمنطق الغموض أو التبعية أو المجاملة المفتوحة، عمدوا إلى تفسير هذا التحول كأنه نفوذ مقلق أو قدرة مشبوهة على إخضاع باريس، وهذا ليس تحليلا بقدر ما هو تعبير عن ضيق فرنسي قديم من مغرب لم يعد يقبل أن يُقرأ بالأدوات نفسها.
في قضية الصحراء المغربية، تعامل الوثائقي مع الموقف المغربي كما لو أنه مجرد أداة ضغط على باريس، لكن الصحراء بالنسبة إلى المغرب ليست ورقة تفاوض وإنما هي القضية الوطنية المركزية بل قضية وجود بالنسبة للشعب المغربي، ومنذ سنوات صار واضحا أن الرباط تعيد ترتيب جزء مهم من علاقاتها الدولية على هذا الأساس، لذلك حين يطلب المغرب وضوحا من شركائه في هذا الملف فهو لا يمارس استثناء دبلوماسيا بل يتصرف وفق ثابت سيادي ووفق منطق الحق الذي يعلو ولا يعلى عليه.
المشكل أن الوثائقي قفز فوق هذا الواقع وقرأ كل تشبث مغربي بهذه القضية من زاوية “الضغط”، والحال أن التحول الفرنسي نفسه لم يأت من فراغ بل جاء في سياق إدراك سياسي ودبلوماسي لموقع المغرب ولطبيعة هذا الملف في السياسة المغربية وطنيا وإقليميا ودوليا، وحتى عرض خريطة مبتورة للمملكة داخل هذا السياق لا يمكن اعتباره مجرد خطأ بصري لأنه ينسجم تماما مع المنطق البائس والسخيف نفسه الذي يحاول إضعاف مركزية القضية بدل فهمها ويحاول الاستفزاز والتوتير بدل المساهمة في توطيد العلاقة والرقي بها.
الأمر نفسه تكرر في الملفات التي تمس قضايا حق عام أو نزاعات جنائية جرى تسييسها إعلاميا فقط لأن أحد أطرافها يقدم نفسه صحافيا أو ناشطا، وهنا لم يسأل الفيلم عما تقوله الشكايات أو التحقيقات أو المعطيات القضائية، بل سحب الملفات بسرعة إلى الحيز السياسي وقدم المتابع أو المدان باعتباره ضحية سردية جاهزة.
وفي هذا بالضبط يكمن أحد أخطر أوجه التضليل، لأن القفز على الوقائع خصوصا حين يتعلق الأمر بقضايا ذات طابع جنسي أو باعتداءات جنسية أو بملفات انتهى فيها القضاء إلى أحكام واضحة لا يعتدي فقط على الحقيقة القضائية بل يعتدي أيضا على الضحايا ويحاول منح صك براءة إعلامي في ملفات لا تُحسم بالشعارات، وهنا لا يكون الفيلم بصدد الدفاع عن حرية التعبير بل بصدد استخدام هذه الحرية كغطاء لطمس معطيات مزعجة لا تناسب الرواية التي يريد بناءها.
أما في.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
