تفرض التحولات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، والمصحوبة بقرع طبول المواجهة المباشرة مع إيران، واقعاً أمنياً جديداً دفع العواصم العربية إلى تجاوز صيغ التعاون التقليدية نحو بناء تكتل استراتيجي أكثر صلابة.
وفي هذا السياق، تتبلور ملامح تحالف "عابر للإقليم" يجمع دول مجلس التعاون الخليجي بكل من المغرب والأردن، في خطوة تعكس إدراكاً عميقاً بضرورة صياغة معادلة توازن قوى قادرة على حماية السيادة الوطنية والمصالح الحيوية أمام التهديدات المتنامية، مما يضع المنطقة أمام مرحلة من "الواقعية السياسية" التي تعيد تعريف مفاهيم الدفاع المشترك.
ويرتكز هذا الحراك الاستراتيجي على أجندة أمنية تقنية وعملياتية تهدف إلى سد الفجوات الدفاعية، حيث يتوقع أن يشكل التنسيق الاستخباراتي والتعاون العسكري في مجالات الدفاع الصاروخي والمراقبة البحرية والجوية حجر الزاوية في عمل التحالف. ولا تقتصر هذه الشراكة على الجانب الدفاعي الصرف، بل تمتد لتشمل صياغة جبهة دبلوماسية موحدة تسعى إلى توحيد المواقف تجاه النزاعات الإقليمية، مما يمنح هذه الدول قدرة أكبر على المناورة في المحافل الدولية وضمان استجابة سريعة وفعالة للأزمات الطارئة التي قد تهدد استقرار الملاحة أو أمن الطاقة.
وفي قراءة تحليلية لهذا التقارب، يبرز المحور المغربي-الخليجي كأحد أكثر الروابط السياسية استقراراً وتناغماً، وهو ما يعززه مركز "شاف" للدراسات المستقبلية بالإشارة إلى أن تشابه الأنظمة الملكية والتاريخ المشترك يشكلان "شبكة أمان" سياسية وفرت أرضية خصبة لتنسيق المواقف الاستراتيجية.
إن هذا التناغم لم يعد ترفاً دبلوماسياً، بل أصبح ضرورة ملحة فرضتها حالة السيولة الأمنية في المنطقة، حيث يجد المغرب في عمقه الخليجي سنداً استراتيجياً، بينما ترى دول الخليج في المملكة المغربية شريكاً أمنياً موثوقاً يمتلك خبرات نوعية وموقعاً جيوستراتيجياً فريداً.
وعلى ضوء ذلك، لا يمكن فصل الطموحات الأمنية لهذا التحالف عن محركاته الاقتصادية، إذ تتدفق الاستثمارات الخليجية، ولاسيما الإماراتية، نحو القطاعات الحيوية المغربية مثل الطاقة والبنية التحتية والسياحة، لتشكل "العمود الفقري" الذي يسند التقارب السياسي.
إن تحويل هذه العلاقات من مجرد توافقات سياسية عابرة إلى مصالح هيكلية مستدامة هو الرهان الحقيقي لضمان استمرارية هذا التحالف؛ فالقدرة على الجمع بين البراغماتية الاقتصادية والمرونة الاستراتيجية ستحدد مدى نجاح هذا القطب العربي الجديد في فرض نفسه كلاعب دولي لا يمكن تجاوزه في معادلة الشرق الأوسط الجديد.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
