دخل قانون ألماني جديد حيّز التنفيذ مطلع عام 2026، يفرض على الرجال بين 17 و45 عاماً الحصول على موافقة مسبقة من الجيش قبل مغادرة البلاد إذا تجاوزت مدة الإقامة في الخارج ثلاثة أشهر، وتقول وزارة الدفاع إن الهدف ضبط بيانات المكلفين بالخدمة وتعزيز الجاهزية في حالات الطوارئ، غير أن النص فجّر جدلاً واسعاً لأنه يضع حرية التنقل تحت إشراف عسكري مباشر في زمن السلم.
الصيغة الإجرائية توحي بالمرونة، إذ لا يتضمن القانون حظراً صريحاً على السفر ولا عقوبات فورية، كما تشير التصريحات الرسمية إلى أن الموافقات تُمنح غالباً، غير أن الإشكال لا يرتبط بالتطبيق بقدر ما يرتبط بالمبدأ، أي إخضاع حق فردي أساسي لإذن صادر عن مؤسسة عسكرية، وهو تحول ثقيل في دولة تأسست تجربتها الحديثة على تحييد الجيش عن المجال المدني.
المسألة تتجاوز حدود إجراء إداري، لأن المنطق الذي يحكم النص يفترض أن المواطن جزء من احتياط بشري يجب تتبعه مسبقاً، وهو ما ينقل مركز الثقل من فكرة الحقوق إلى فكرة الجاهزية، ومن الثقة إلى الرقابة، في صيغة قانونية تبدو منضبطة لكنها تحمل أثراً سياسياً عميقاً.
السياق الأوروبي يفسر جانباً من هذا المسار، فالحرب في أوكرانيا منذ 2022 أعادت ترتيب أولويات القارة، ودفعت الحكومات إلى رفع الإنفاق العسكري وتعزيز قدرات الردع، كما أن التوتر مع روسيا وتزايد الشكوك حول استمرارية الالتزام الأميركي بأمن أوروبا دفعا دولاً محورية، وفي مقدمتها ألمانيا، إلى تبني مقاربة أكثر استقلالاً في بناء القوة العسكرية.
لكن بناء القوة لا يتوقف عند التسلح، بل يمتد إلى إعادة تشكيل المجتمع ليكون قابلاً للتعبئة، وهنا يظهر القانون كجزء من منظومة أوسع تشمل قواعد بيانات دقيقة، واستبيانات إلزامية للشباب، وربط الحركة الفردية بإجراءات ذات طابع عسكري، بما يحوّل المواطن تدريجياً إلى عنصر داخل بنية تنظيمية تتقدم فيها الحسابات الأمنية.
ما يلفت الانتباه أن التحول يجري بهدوء، من دون قرارات صادمة أو إجراءات قسرية مباشرة، بل عبر خطوات متدرجة تقدم تحت عناوين تنظيمية، وهو ما يجعلها أقل إثارة للرفض الفوري، وأكثر قابلية للترسخ مع مرور الوقت، لأن الاعتياد يحل محل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
