توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، وهو ما منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرصة لتجنب التصعيد العسكري المباشر، لكنه جاء بثمن سياسي ودبلوماسي واقتصادي واضح.
وجاء الإعلان عن الاتفاق في تمام الساعة 18:32 بتوقيت واشنطن، حين نشر ترامب على موقعه الرسمي أن واشنطن وطهران أحرزتا "تقدمًا كبيرًا" نحو اتفاق سلام نهائي، وأنه وافق على وقف إطلاق النار لإتاحة الفرصة للمفاوضات خلال الأسبوعين المقبلين.
وكان التوقيت حرجًا للغاية. فقد اقترب الموعد النهائي الذي حدده ترامب، الساعة 20:00 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، لتنفيذ ضربات ضخمة على البنية التحتية الإيرانية للطاقة والنقل، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق. وجاء هذا الإعلان بعد تهديدات صادمة من الرئيس الأمريكي، تضمنت قوله إن "حضارة بأكملها ستموت الليلة"، وهو تهديد أثار ردود فعل غاضبة على المستويين الداخلي والدولي.
ثمن باهظ يدفعه ترامب ورغم أن الهدنة تمنح ترامب مهلة لتجنب الخيارين المتطرفين التصعيد العسكري الكامل أو التراجع الذي قد يضر بمصداقيته فإنها لم تمنح الولايات المتحدة سيطرة تامة على الوضع. فالصفقة تعتمد على التزام إيران بتعليق الأعمال العدائية وفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية دون شروط، وهو ما أكد النظام الإيراني أنه سيفعله، مع الاحتفاظ بـ"سيطرته" على الممر المائي الاستراتيجي.
في غضون ذلك، كان الثمن السياسي فوريًا وواضحًا داخل واشنطن. إذ أدان الديمقراطيون تصريحات ترامب المتهورة، فيما طالب بعضهم بإقالته. وكتب عضو الكونغرس خواكين كاسترو في صحيفة إكس أن الرئيس "استمر في التدهور وأنه غير مؤهل للقيادة". وقال تشاك شومر، زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، إن أي جمهوري لم يشارك في التصويت لإنهاء الحرب مع إيران "يتحمل كل عواقب هذا الأمر اللعين".
حتى بعض الجمهوريين المؤيدين لترامب أعربوا عن اعتراضهم على تهديداته. إذ وصف عضو الكونغرس أوستن سكوت من جورجيا تصريحات ترامب بأنها "تأتي بنتائج عكسية" ولا يوافق عليها، فيما اعتبر السيناتور رون جونسون من ويسكونسن أن تنفيذ ترامب لحملته القصفية سيكون "خطأً فادحًا". وكتب ناثانيال موران من تكساس على وسائل التواصل الاجتماعي أن فكرة "تدمير حضارة بأكملها" لا تتوافق مع هوية ومبادئ أمريكا، فيما أكدت السيناتور ليزا موركوفسكي من ألاسكا أن تهديدات الرئيس "لا يمكن تبريرها كأداة ضغط في المفاوضات".
انعكاسات الهدنة على الاقتصاد في الأسواق المالية، انعكس الاتفاق المؤقت على أسعار النفط والأسهم الأمريكية، حيث انخفض سعر برميل النفط إلى أقل من 100 دولار لأول مرة منذ أيام، وارتفعت العقود الآجلة للأسهم، وهو ما يشير إلى شعور بالارتياح المؤقت لدى المستثمرين، لكن هذه الارتياحات لا تخفي حقيقة أن الهدنة مؤقتة، وأن المفاوضات القادمة ستكون صعبة ومعقدة.
وعلى المستوى العسكري، أكد ترامب أن الولايات المتحدة "حققت وتجاوزت" أهدافها العسكرية، وأن الجيش الإيراني تكبد خسائر كبيرة. ومع ذلك، تظل العديد من الأهداف الأمريكية موضع شك، فمصير برنامج إيران النووي غير محسوم، وقدرتها على التأثير عبر وكلاء إقليميين مثل الحوثيين لم تنتهِ، والاحتفاظ بالسيطرة على مضيق هرمز يضمن لطهران نفوذًا استراتيجيًا مهما.
من جانبه، أعلن وزير الخارجية الإيراني سيد عباس عراقجي، أن بلاده ستوقف "عملياتها الدفاعية" وستسمح بالمرور الآمن عبر مضيق هرمز بالتنسيق مع قواتها المسلحة، وأوضح أن الولايات المتحدة وافقت على "الإطار العام" لخطة إيرانية عشرية تشمل سحب القوات الأمريكية من المنطقة، ورفع العقوبات الاقتصادية، ودفع تعويضات عن أضرار الحرب، والسماح لإيران بالاحتفاظ بالسيطرة على المضيق. ويُعد احتمال قبول ترامب بهذه الشروط تحديًا كبيرًا، مما يجعل الأسبوعين المقبلين مرحلة محفوفة بالمخاطر.
ويبدو أن وقف إطلاق النار، رغم أنه يمثل انتصارًا مؤقتًا للرئيس الأمريكي، يحمل معه ثمنًا باهظًا على صعيد السياسة الداخلية والدبلوماسية الدولية. فقد أجبر ترامب على موازنة التهديد بالعنف مع الحفاظ على صورته كقائد قادر على إدارة الصراع، بينما يواجه انتقادات داخل حزبه وخارجه، وتأثيرات طويلة المدى على الاستقرار الإقليمي وصورة الولايات المتحدة في العالم.
في النهاية، حال نجاح الصفقة، فإنها ستمنح ترامب مهلة، لكنها لا تحل المشاكل الجوهرية وأبرزها: القدرة الإيرانية على التحكم في نقاط الاختناق الاستراتيجية، وبرنامجها النووي، ونفوذها الإقليمي لا تزال قائمة، مما يضع إدارة ترامب أمام تحديات كبيرة خلال الأسابيع المقبلة.
هذا المحتوى مقدم من العلم
