تكتب د. سمر أبو الخير: اقتصاد مخفي لشبح التوحد

تكشف التقديرات أن اضطراب طيف التوحد ليس مجرد قضية صحية أو تعليمية فحسب، بل يشكل اقتصاداً غير ظاهر يترتكز عليه خسائر متراكمة تتحملها الأسر وسوق العمل والدولة. وتُظهر الأرقام العالمية أن نحو 61.8 مليون شخص يعيشون مع التوحد وفق بيانات 2021، وتُشير تقديرات أخرى إلى نسبة تقارب 1% من سكان العالم. كما تتسع الخسائر عندما يضاف إليها آثار فقدان الإنتاجية والتأثير على مقدمي الرعاية، وتظهر الكلفة الاقتصادية العالمية للاضطرابات تتجاوز تريليون دولار سنويًا، مع وجود جزء كبير منها غير ظاهر في القياسات التقليدية. وتؤكد هذه المعطيات أن تكلفة التوحد ليست مجرد عبء فردي بل جهد اقتصادي مجتمع مركّب، يتطلب اعترافاً سياسياً ومؤسسياً واضحاً.

أبعاد عالمية وإقليمية

على المستوى العالمي، تشير تقديرات علمية إلى أن الكلفة الاقتصادية لاضطرابات طيف التوحد تتجاوز تريليون دولار سنويًا، وهو جزء ظاهر من الأزمة ويظل الجزء الأكبر كامناً في الاقتصاد غير المرئي. وفي الولايات المتحدة وحدها، قدرت التكلفة بنحو 268 مليار دولار عام 2020 وتوقعت أن ترتفع إلى 461 مليار دولار بحلول 2025. وتكشف بيانات الانتشار أن نحو 0.77% من الأطفال تم تشخيصهم بالتوحد، بينما تبلغ النسبة بين الذكور نحو 1.14%. وتشير تقديرات أخرى إلى أن المعدل العالمي يتراوح بين 1% و2%، وفي الولايات المتحدة بلغت النسبة 3.2%، مع فجوة تشخيصية بين الذكور والإناث. وتبرز هذه المعطيات أن للظاهرة تبعات اقتصادية تؤثر في دَين الإنتاج وسير العمل والميزانيات الوطنية بشكل ملموس.

أبعاد العالم العربي

وُجد أن معدل الانتشار العام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نحو 0.14% مع تفاوت واضح بين الدول. وفي بعض الدول العربية بلغ الانتشار بين الأطفال في سن مبكرة نحو 1.4%، وهو تفاوت يعكس عوامل التشخيص والوعي والسياسات أكثر مما يعكس فروقاً حقيقية في معدلات الإصابة. وفي مصر يصل معدل انتشار اضطرابات طيف التوحد إلى نحو 1.1% بين الأطفال من ثلاث إلى ست سنوات، مع تفوق للذكور بنسبة تقارب أربعة أضعاف الإناث. وتتوزع شدة الحالات بين 45% توحداً معتدلاً و39% شديدة و16% بسيطة، مع انتشار أعلى في المناطق الحضرية.

وتبرز هذه الأرقام حجم العبء الاقتصادي الحقيقي الذي ينتقل إلى الأسر، فالتكاليف المباشرة تشمل العلاج والتأهيل والتعليم الخاص؛ فمثلاً تتراوح تكاليف جلسات التأهيل الشهرية في مصر بين 3000 و10000 جنيه، بينما تصل تكلفة البرامج السنوية في بعض دول الخليج إلى نحو 40,000 دولار للطفل الواحد، مع تحمل الأسر لأكثر من 80% من هذه التكاليف. وعند احتساب المستوى الإقليمي، تتراوح التكلفة المباشرة السنوية في العالم العربي بين 5 و10 مليارات دولار، وتظل الأعباء في الغالب على الأسر لا المؤسسات. غير أن الخسائر غير المباشرة تشكل جوهر «الاقتصاد الخفي»، إذ تشير البيانات في مصر إلى أن 62% من أمهات الأطفال المصابين بالتوحد يخرجن من سوق العمل، وهو ما ينعكس في فقدان دخل أساسي وتآكل قدرات الأسر على الاستمرار في الإنتاج.

وتتجسد الخسائر في تقديرات مدى الحياة، التي تقارب 3.2 3.5 ملايين دولار للفرد الواحد، وإذا جُمعت هذه الأعباء على المستوى الإقليمي فإن التكلفة السنوية في العالم العربي قد تبلغ نحو 6.3 مليارات دولار، وربما تتجاوز 40 مليار دولار إذا اقتربت النسب من المعدلات العالمية. وفي هذا السياق تتضح الفجوة التشخيصية كعامل رئيس في ارتفاع التكلفة الكلية، إذ أن التدخل المبكر يمكن أن يخفض التكلفة مدى الحياة بنسبة تتراوح بين 50% و70%.

التكاليف المباشرة والخسائر الأسريّة في العالم العربي

يُظهر السرد أن كل دولار يُنفق على التدخل المبكر يمكن أن يوفر ما بين 7 و12 دولاراً من التكاليف المستقبلية، وهو ما يعكس قيمة الاستثمار في رأس المال البشري وإعادة إدماج المصابين في دورة الإنتاج. وفي مصر، يعكس هذا الواقع أن الإنفاق على التدخل المبكر ليس مجرد نفقة بل استثمار في قدرة المجتمع على استعادة طاقاته الإنتاجية وخدماته العامة. وتؤكد المعطيات الأخرى أن وجود سياسات دمج فعّالة يدعم الأسر ويتيح للمصابين فرص المشاركة في سوق العمل بشكل أفضل.

ختاماً، يبرز ما سبق أن التوحد لا يمثل عبئاً اقتصادياً بحد ذاته فقط، بل يجتاز طريق الإدارة والسياسات العامة، ما يجعل الاستثمار في التدخل المبكر أداة رئيسة لتعزيز القيمة الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية على حد سواء.

تُلاحظ أن هذه الرؤية تستند إلى إطار تحليلي يربط بين النتائج الصحية والتبعات الاقتصادية، ويؤكد أهمية متابعة البيانات والبرامج التي تخفف من أثر الاقتصاد الخفي وتعيد دمج الأفراد المصابين في مسارات الإنتاج والتنمية الوطنية.


هذا المحتوى مقدم من مجلة صوت المرأة العربية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من مجلة صوت المرأة العربية

منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 3 ساعات
مجلة هي منذ 7 ساعات
مجلة سيدتي منذ 7 ساعات
مجلة سيدتي منذ 11 ساعة
مجلة سيدتي منذ ساعتين
مجلة سيدتي منذ 3 ساعات
مجلة سيدتي منذ 56 دقيقة
مجلة سيدتي منذ 47 دقيقة
مجلة سيدتي منذ 7 ساعات