هل يعيد ورش التنمية الترابية الجديد رسم ملامح الحكامة بالمغرب؟

في خطوة تعكس توجهاً استراتيجياً لإعادة هيكلة تدبير الشأن الترابي، ترأس الملك محمد السادس، بالقصر الملكي بالرباط، مجلساً للوزراء خُصص لعرض مشروع إصلاحي جديد يروم إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة ، قدمه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، بكلفة مالية ضخمة تصل إلى 210 مليارات درهم موزعة على مدى ثماني سنوات.

ويأتي هذا الورش في سياق وطني ودولي دقيق، حيث تسعى المملكة إلى تعزيز نجاعة السياسات العمومية على المستوى المحلي، عبر تجاوز الاختلالات التي طبعت نماذج التدبير السابقة، خاصة في ما يتعلق بتفاوتات التنمية بين الجهات وضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين.

ويُرتقب أن يشكل هذا البرنامج نقلة نوعية في مقاربة التنمية الترابية، من خلال إعادة ضبط آليات التخطيط والتنفيذ والتتبع، بما يضمن التقائية أكبر وفعالية أعلى في تنزيل المشاريع.

ويقوم هذا النموذج الجديد على مقاربة تشاركية، ترتكز على تشخيص ميداني دقيق للحاجيات المحلية، شمل مختلف عمالات وأقاليم المملكة، مع التركيز على قطاعات حيوية كالتشغيل، والتعليم، والصحة، والبنيات التحتية، وتوفير الموارد المائية.

ووفق المعطيات المقدمة، فقد تم إشراك الساكنة المحلية في تحديد الأولويات، بما يعكس توجهاً نحو إرساء تنمية مندمجة تنطلق من الواقع الميداني بدل المقاربات المركزية التقليدية.

غير أن أبرز ما يميز هذا المشروع هو هندسته المؤسساتية متعددة المستويات، حيث تم إرساء هيكل حكامة ثلاثي الأبعاد، حيث على المستوى المركزي، تتولى لجنة وطنية برئاسة رئيس الحكومة مهمة المصادقة على البرامج وضمان انسجامها العام، إلى جانب تحديد مؤشرات التتبع والتقييم.

وعلى المستوى الجهوي، يضطلع الولاة، بصفتهم ممثلين للسلطة المركزية، برئاسة لجان تنسيق تعمل على ملاءمة البرامج بين مختلف الأقاليم داخل الجهة.

أما على المستوى الترابي، فتُسند مهمة إعداد وتتبع المشاريع إلى لجان إقليمية ومحلية يرأسها العمال والولاة، بمشاركة المنتخبين والمصالح اللاممركزة.

هذا التوجه، وإن كان يقدم نفسه كامتداد لمسار الجهوية المتقدمة الذي أطلقه دستور 2011 بهدف تعزيز اللامركزية، إلا أنه يثير في المقابل نقاشاً حول طبيعة التوازن بين المنتخبين والسلطة الإدارية، في ظل الدور المحوري الذي أُسند لرجال السلطة في قيادة مختلف مستويات الحكامة. ويرى متابعون أن هذا النموذج يعكس سعياً نحو تحقيق نجاعة أكبر في تنفيذ المشاريع، حتى وإن كان ذلك عبر تعزيز آليات التنسيق المركزي.

وفي العمق، يعكس هذا الإصلاح إرادة واضحة لإعادة ترتيب أولويات التنمية الترابية، عبر الانتقال من منطق البرامج القطاعية المجزأة إلى رؤية مندمجة قائمة على النتائج، وهو ما يتطلب تعبئة قوية لمختلف الفاعلين، وضمان الالتقائية بين السياسات العمومية، وتكريس ثقافة التقييم والمحاسبة.

كما يأتي هذا الورش في لحظة مفصلية على مستوى تموقع المغرب إقليمياً ودولياً، حيث يراهن على تعزيز نموذجه التنموي وتكريس استقراره المؤسساتي، في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة، ما يجعل من نجاح هذه البرامج رهاناً مزدوجاًK داخلياً لتقليص الفوارق المجالية، وخارجياً لتعزيز صورة المملكة كشريك موثوق في محيطها الإقليمي والدولي.

وبين الرهانات الكبرى والتحديات المطروحة، يظل هذا المشروع مرهوناً بمدى قدرته على تحقيق التوازن بين النجاعة في التنفيذ واحترام روح الجهوية المتقدمة، بما يضمن تنزيل تنمية عادلة ومندمجة تستجيب لتطلعات المواطنين وتعزز الثقة في المؤسسات.


هذا المحتوى مقدم من بلادنا 24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بلادنا 24

منذ 8 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ ساعة
منذ 11 ساعة
منذ 16 دقيقة
منذ 6 ساعات
2M.ma منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 22 ساعة
هسبريس منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 13 ساعة
هسبريس منذ 7 ساعات
موقع بالواضح منذ 4 ساعات
موقع بالواضح منذ 3 ساعات