أكد محمد الغدير، عدل موثق لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، ونائب الكاتب العام للمجلس الجهوي للعدول بجهة الدار البيضاء-سطات، أن النقاش الدائر حول إصلاح مهنة العدول بلغ مرحلة حساسة، في ظل استمرار الجدل المرتبط بمشروع القانون رقم 16.22، الذي يعتبره المهنيون غير منسجم مع تطلعاتهم ولا يستجيب للحد الأدنى من انتظاراتهم، سواء من حيث المقتضيات القانونية أو من حيث الرؤية العامة التي تم اعتمادها في صياغته.
غياب مقاربة تشاركية
وأوضح الغدير، في تصريح لـ بلادنا24 ، أن هيئة العدول سبق لها أن تقدمت بجملة من المقترحات خلال مراحل سابقة من إعداد المشروع، وتم توثيق هذه المقترحات في محاضر رسمية، غير أن الصيغة النهائية التي تم تقديمها لاحقا لم تأخذ بعين الاعتبار عددا كبيرا من هذه التوصيات، وهو ما اعتبره دليلا على غياب مقاربة تشاركية حقيقية في بلورة هذا النص القانوني ، رغم المطالب المتكررة بإشراك فعلي للمهنيين في صياغة مستقبل المهنة.
وأضاف أن الوزارة الوصية كانت قد التزمت في مراحل سابقة بإدراج تعديلات تستجيب لمطالب العدول، غير أن مسار المشروع أفرز نتائج مخالفة لتلك الوعود، حيث لم يتم تضمين تلك التعديلات بالشكل الذي كان منتظرا، وهو ما يطرح، حسب تعبيره، إشكالية عميقة مرتبطة بمنهجية إعداد النصوص القانونية التي تهم المهن القضائية والتوثيقية، ومدى احترامها لمبدأ التشاور المؤسساتي.
وأشار المتحدث إلى أن العدول كانوا يعولون على إدراج تلك التعديلات سواء خلال مرحلة إعداد المشروع داخل الوزارة أو أثناء مناقشته داخل مجلس النواب، غير أن ذلك لم يتحقق بالشكل المطلوب، وهو ما يعكس، حسب رأيه، عدم استجابة المشروع الحالي لأدنى المطالب التي ترفعها هذه الفئة المهنية، رغم أنها تنتظر منذ أكثر من عقدين إصلاحا عميقا من شأنه إعادة هيكلة المهنة وتمكينها من مواكبة التحولات القانونية والاقتصادية.
توفير أدوات اشتغال أساسية
وفي سياق متصل، أوضح محمد الغدير أن جوهر عمل العدول يتمثل في الإسهام في تعزيز الأمن القانوني وتيسير معاملات المواطنين، غير أن غياب آليات عمل حديثة ومتكاملة يجعل من الصعب الحديث عن تحديث فعلي للمهنة، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتحول الرقمي وتزايد حجم المعاملات القانونية وتعقدها.
واعتبر أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يحقق أهدافه دون توفير أدوات اشتغال أساسية، في مقدمتها نظام الإيداع، الذي يُعد، حسب قوله، ركيزة أساسية لحماية أموال المتعاملين وضمان استقرار العمليات التوثيقية داخل مؤسسة عمومية إلى حين استكمال الإجراءات القانونية.
كما شدد على أن إصلاح مهنة العدول يظل رهينا بإعادة النظر الشاملة في مشروع القانون 16.22، واعتماد مقاربة تشاركية فعلية تضمن إشراك المهنيين في جميع مراحل صياغة النصوص التنظيمية، بما يحقق التوازن بين تحديث المهنة من جهة، وحماية مصالح المواطنين وتعزيز الأمن القانوني من جهة أخرى، مع الحفاظ على الدور المحوري الذي تلعبه المهنة داخل منظومة العدالة.
استمرار التصعيد
وفي الجانب المرتبط بالوضعية المادية، أوضح المتحدث أن تعريفة العدول لم تعرف أي تحيين منذ سنة 2008، أي لما يقارب 18 سنة، رغم التحولات الاقتصادية التي عرفتها البلاد، وارتفاع تكاليف المعيشة ومصاريف الممارسة المهنية، وهو ما اعتبره عاملا إضافيا يزيد من تعقيد وضعية المهنيين، ولا يعكس حجم الأعباء التي يتحملونها في إطار مزاولة مهامهم اليومية.
وبخصوص الأشكال الاحتجاجية، أكد الغدير أن الإضراب لا يزال مستمرا، مع برمجة وقفة احتجاجية يوم 13 أبريل الجاري، ستشكل انطلاقة لمرحلة تصعيدية جديدة، قد تتبعها خطوات نضالية أخرى من بينها إضرابات متواصلة، وذلك إلى حين الاستجابة للمطالب المرفوعة من طرف العدول، وعلى رأسها مراجعة شاملة لمشروع القانون وإدماج تعديلات جوهرية تعيد التوازن إلى النص التشريعي.
ورغم هذه الأجواء الاحتجاجية، أبرز المتحدث أن تعامل العدول مع المواطنين خلال هذه المرحلة اتسم بروح المسؤولية والتفهم المتبادل، حيث أبدى عدد من المواطنين وعيا بطبيعة المطالب المطروحة، وتفهما للظروف التي دفعت هذه الفئة إلى خوض أشكال احتجاجية، وهو ما ساهم في تمرير هذه المرحلة في أجواء من الهدوء النسبي.
كلفة توثيق عقد الزواج
وفي ما يتعلق بالجدل الذي أثير حول توثيق عقد الزواج مقابل مبلغ 3500 درهم، نفى الغدير بشكل قاطع صحة هذه المعطيات، مؤكداً أنها لا أساس لها من الصحة ، وأن ترويجها يهدف إلى التشويش على المطالب الحقيقية للعدول وصرف الانتباه عن جوهر النقاش المتعلق بإصلاح المهنة.
وأوضح أن تحديد التعريفة لا يتم بشكل أحادي من طرف العدول ، بل يتم داخل إطار مؤسساتي تشاركي يضم وزارة العدل باعتبارها الوزارة الوصية، إلى جانب وزارة الاقتصاد والمالية، ومجلس المنافسة، الذي يُستشار في ما يتعلق بتسعير المهن المنظمة.
وأضاف أن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يتركز فقط على قيمة الأتعاب ، وإنما على مدى معقوليتها وتناسبها مع الواقع الاقتصادي وتكاليف الممارسة المهنية، مشددا على ضرورة أن يكون أي تعديل تدريجيا ومنطقيا، بعيدا عن الأرقام غير الواقعية، خاصة في ظل وضعية الجمود التي تعرفها التعريفات منذ سنة 2008.
أما بخصوص الجدل الاجتماعي المرتبط بعزوف الشباب عن الزواج، فقد أشار إلى أن هذه الظاهرة تعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها الظروف الاجتماعية والأسرية، إضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة وتفاقم الإكراهات الاقتصادية، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على قرارات الزواج لدى فئة واسعة من الشباب، في سياق اجتماعي واقتصادي يعرف تحولات عميقة تمس مختلف جوانب الحياة اليومية.
هذا المحتوى مقدم من بلادنا 24
