الفايد في الميزان

بين الخطاب الشعبوي والأدلة العلمية

لم يعد الأمر يتعلق بمجرد اختلاف في وجهات النظر، ولا حتى بجدل علمي مشروع بالمعنى الدقيق. فالمشكل، كما يظهر من مضمون خطاب الدكتور محمد الفايد، خاصة في فيديوهاته المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، لا يكمن فقط في تعدد المجالات التي يتناولها، بل في تقديم هذا التناول بوصفه معرفة علمية مكتملة، من دون استيفاء أبسط الشروط المنهجية التي يقتضيها كل حقل على حدة.

إن ما يطرحه الفايد لا يبدو، في صورته العامة، تعبيرًا عن اجتهاد علمي منضبط، بقدر ما يبدو خطابًا شعبويًا يجمع بين التعميم واليقين الزائد، والانتقال من مجال إلى آخر من غير بيان واضح للأساس المنهجي الذي يسمح بهذا الانتقال. وهذا، في تقديري، يطرح إشكالًا معرفيًا أكثر منه إشكالًا في الرأي.

العلم ليس ما يبدو مقنعًا للوهلة الأولى، ولا ما يُقال بثقة، ولا ما يحظى بقبول واسع لدى الجمهور. العلم، في جوهره، منهج قائم على الفرضية والاختبار والتكرار والنقد والتحقق. وكل خطاب لا يمر عبر هذه المراحل، أو لا يُثبت التزامه بها، يبقى في دائرة الرأي أو الانطباع، مهما ارتفعت درجة الثقة في عرضه.

وعندما يتعلق الأمر بالتغذية العلاجية أو الطب، مجالين يظنُّ كثيرٌ من متابعي الدكتور الفايد خطأً أنه خبير فيهما، لأنهم سمعوه يتحدث فيهما مرارًا وتكرارًا، بل وبعضهم يعتقد أنه طبيب، رغم أنه حائز على دكتوراه في الميكروبيولوجيا الغذائية، فإن الحد الأدنى من المتطلبات العلمية يبقى واضحًا: دراسات سريرية منشورة، تجارب محكَّمة، أو مراجعات منهجية قابلة للفحص. أما الاعتماد على التجربة الشخصية أو السرد التأثيري أو العبارات العامة، فلا يرقى إلى مستوى الدليل العلمي الذي يُسند مثل هذه الادعاءات.

وتزداد الإشكالية حين يُقدَّم خطاب واحد على أنه قادر على الانتقال بين الطب والتغذية والدين والفلسفة، وكأن هذه الحقول متشابهة في أدواتها وقواعدها وحدودها. والحقيقة أن كل واحد من هذه المجالات له منطقه الداخلي، ومرجعياته، ومعاييره الخاصة، ولا يمكن التعامل معها بمنهج واحد مبسَّط من غير إخلال بمقتضيات التخصص.

ومن هذا المنطلق، فإن الإشكال لا يكمن في طرح الأسئلة أو في إبداء الرأي، بل في تجاوز الحدود الفاصلة بين المجالات، ثم تقديم هذا التجاوز للجمهور على أنه دليل على السعة المعرفية أو التفوق العلمي. وفي الواقع، لا يكفي أن يكون الخطاب واسع الانتشار أو مريحًا في الاستقبال حتى يُعَدَّ صحيحًا أو موثوقًا.

كما أن جزءًا مهمًا من جاذبية هذا النوع من الخطاب يرتبط، في اعتقادي، بضعف الثقافة العلمية لدى فئات من الجمهور، وهو ما يُسهِّل تمرير بعض المغالطات في صيغة حقائق نهائية. ومن بين هذه المغالطات: الاحتكام إلى “الطبيعة” باعتبار كل ما هو طبيعي مفيدًا بالضرورة، والاحتكام إلى “حكمة الأجداد” باعتبارها معيارًا كافيًا لصحة القول. وهاتان الحجَّتان، وإن كانتا تبدوان مريحتين من الناحية الخطابية، فإنهما لا تصمدان أمام الفحص العلمي. فكون الشيء طبيعيًا لا يجعله نافعًا تلقائيًا، كما أن كون فكرة ما قديمة لا يجعلها صحيحة بالضرورة. والتاريخ العلمي نفسه يبرهن أن كثيرًا من المعتقدات التي سادت طويلًا ثبت لاحقًا أنها غير دقيقة أو خاطئة. لذلك، لا يمكن اتخاذ الشيوع أو القِدَم أو القبول الاجتماعي بديلًا عن الدليل.

والأمر الأكثر حساسية هنا هو أن هذه الأطروحات لا تُقدَّم غالبًا بوصفها احتمالات قابلة للنقاش، بل بوصفها يقينيات جاهزة. وهذا، من الناحية المنهجية، يزيد من الحاجة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 6 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
2M.ma منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 17 ساعة
هسبريس منذ 13 ساعة
2M.ma منذ 14 ساعة
وكالة الأنباء المغربية منذ 11 ساعة
موقع طنجة نيوز منذ 12 ساعة
جريدة أكادير24 منذ ساعة
موقع بالواضح منذ 10 ساعات