في تخوم السينما المغربية، حيث تتقاطع الأسئلة القلقة مع صور تبحث عن معناها، ينهض اسم المخرج هشام العسري كصوت لا يهادن، كعين ترى ما وراء المرئي، وكجسد سينمائي يختبر حدوده في كل تجربة جديدة. ولا تمثل أفلامه مجرد حكايات تُروى، فهي شظايا من وعي متوتر، تتوزع بين السخرية السوداء والعبث، وبين التوتر الجمالي والرغبة في تفكيك العالم. وهنا، لا يصبح العنوان عتبة فقط، ولكنه إعلان مواجهة، حيث لا يتحول السرد إلى خط مستقيم، وإنما إلى متاهة تتكاثر فيها الاحتمالات والقراءات والتأويلات، ويتحول فيها المعنى إلى سؤال مفتوح، لا يقبل الإغلاق.
في حوار “هسبريس “، لا نحاول فقط الاقتراب من تجربة مخرج متمرد على فكرة الاعتياد، بقدر ما نلامس مشروعاً سينمائياً قائماً على المغامرة والتمرد، والقلق، وكسر النمطيات المعتادة وعلى إعادة التفكير في ماهية الصورة نفسها. فسينما هشام العسري لا تُشاهد فقط، فهي تُقاوم، تقاوم النمط والنمطية والتسطيح، وتقاوم الاستسهال، وتقاوم ذلك الميل إلى الحكي المطمئن الذي يريح المتلقي بدل أن يربكه.
إنها سينما تنحاز إلى الإزعاج الجميل، وخلق ذاك الوعي الشقي بالأشياء، وإلى ذلك القلق الذي يجعل من المشاهدة فعلاً فكرياً وحسياً في آن واحد، ومن السينما نمطا للتفكير وللفهم وللنقد الذاتي وتشريح الوضعيات. إنها سينما الازعاج وتفكيك السرد وبناء الفوضى الخلاقة.
فما الذي يجعل من هذه السينما تجربة مغايرة داخل المشهد المغربي؟ أهو تمردها على السرد التقليدي، أم انحيازها إلى شخصيات على الهامش، تنبض بالحياة رغم هشاشتها؟ أم هو ذلك التوتر الدائم بين الواقعي والمتخيل، بين السياسي والوجودي، حيث لا تعود السياسة خطاباً مباشراً، ولكنها تتسلل كظل كثيف داخل الحكاية، كجرح مفتوح في جسد الشخصيات؟ في أفلام العسري، لا تُطرح الأسئلة من أجل الإجابة، ولكن من أجل تعميق الغموض، ومن أجل دفع المتلقي إلى إعادة النظر في يقيناته. فهي سينما لخلق الشك.
وهنا، تصبح الصورة فضاءً للتجريب، ومجالاً لإعادة تشكيل الزمن، لتفكيك خطيته، ولإعادة تركيبه وفق إيقاع داخلي أقرب إلى الذاكرة منه إلى الواقع. ولا يمثل الزمن في هذه السينما فعلا تعاقبياً، ولكنه تشظي على المستوى السردي والعاطفي. وأما الشخصيات، فلا تؤسس لبطل كلاسيكي بالمعنى التقليدي وإنما هي كائنات مأزومة، تعيش على حافة الانهيار، تبحث عن معنى في عالم يتآكل من الداخل. إنها شخصيات تقاوم، لا لتنتصر، ولكنها شخصيات معاندة، لها القدرة والمناعة على الفعل وعلى الاستمرار فيه…
في هذا الأفق، تطرح سينما هشام العسري رهاناتها الكبرى، كيف يمكن للسينما أن تظل فناً في زمن الاستهلاك؟ وكيف يمكن للصورة أن تحتفظ بقدرتها على الدهشة في عالم مفرط في الصور؟ وكيف يمكن للمخرج أن يكون وفياً لصوته، دون أن يسقط في إغراء التكرار أو إرضاء التوقعات ومحاباة الجهات؟ تلك هي الأسئلة التي تتسلل بين سطور هذا الحوار، على جريدة ” هيسبريس “، أسئلة تكشف عن سينما لا تبحث عن مكان داخل التيار، وداخل دائرة الاعتياد والاستقرار النفسي، ولكنها تصنع تيارها الخاص، وتمضي فيه، بكل ما يحمله من سيول المخاطرة، ومن الجمال، ومن المواجهات المتعددة والمحتدمة، ومن الرهان على سينما مغايرة لا تنصاع للقوالب الجاهزة والأحكام المسبقة وتؤمن في أعماقها بالاختلاف والحرية ومجالات النقد الأرحب.
نص الحوار:
تشكل عناوين أفلامك مقدمات لسينما هشام العسري وتحيل الى صيغ استفزازيه مستنبطة من لهجة مغربيه تتسم بالقسوة وتتسم نوعا ما بالعنف وبالحدة، لماذا هذا الاختيار؟
أعتقد أن هناك سوء فهم واضح، إذ يظن الناس أن العناوين استفزازية، بينما أراها أنا مداخل أو فصولاً. فكل فيلم بالنسبة لي هو فصل من كتاب أحاول كتابته. وكل فيلم يتناول فكرة معينة. وعندما سميت أول فيلم لي “النهاية”، كنت أتحدث عن نهاية حقبة الملك الراحل الحسن الثاني، وبداية مرحلة جديدة. وفي فيلم “ إنهم الكلاب”، العنوان مستوحى من عبارة ومن شعر أحمد مطر، وله دلالة رمزية مرتبطة بالشخصية.
أما فيلم “الجاهلية”، فهو حديث عن مرحلة ما قبل الوعي، وكأنها تعود في زمننا الحالي. وفي فيلم “المطرود من رحمة الله”، العنوان مستوحى من القرآن، وهو اسم آخر للشيطان، وله علاقة جدلية ودرامية عميقة داخل القصة.
بالنسبة لي، يجب أن يكون العنوان مدخلاً يحمل بعداً جدلياً، وأن تكون له علاقة حميمية بالفيلم. أنا في الأساس كاتب، وأؤمن أن لكل كلمة مكانها، وأن الكتابة لها موسيقى داخلية؛ كما أن السينما، رغم كونها فناً، يجب أن تثير فضول الجمهور. وعندما يطرح المشاهد أسئلة حول العنوان، فهذا يعني أننا نجحنا في دفعه نحو قراءة الفيلم.
توصف سينماك بأنها متمردة ومغايرة، كيف تنظر إلى مفهوم التمرد في السينما؟ هل هو موقف جمالي أم ضرورة وجودية؟
أعتقد أن فكرة “التمرد” جاءت من مبدأ بسيط: أهم ما في السينما هو التفرد. يجب أن تقدم صوراً وقصصاً لا يمكن استنساخها. واليوم نرى تكراراً كبيراً، وأفلاماً تُنسخ من أخرى، مما يفقدها قيمتها. مثلاً، بعض الأفلام الكوميدية تُقتبس من السينما المصرية، وهذه بدورها مقتبسة من السينما الأمريكية، فنصل إلى نسخة من نسخة مكررة.
أنا أرى أن هذا أمر مؤسف، لأن صناعة فيلم تتطلب جهداً كبيراً، وفي النهاية يكون المنتج ضعيفاً. وهناك من يسعى فقط للربح، لكن هذه أفلام استهلاكية لا تضيف شيئاً. بالنسبة لي، السينما ليست مجرد ترفيه، فهي فن. والفن يتطلب بحثاً ووعياً ومحاولة لفهم الذات. لا أرغب أن أنتج صورة نمطية ومكررة.
والسينما يجب أن تشبهنا، وأن تطرح الأسئلة، لا أن تقدم أجوبة جاهزة. والفيلم الجيد هو الذي يدفعك للتفكير، وربما لإعادة مشاهدته أكثر من مرة. كما أن الإمكانيات ليست دائماً مادية، بقدر ما هي أيضاً فكرية. والمهم هو الجرأة في الطرح.
هل تعتقد أن السينما يجب أن تعكس الواقع كما هو، وتكون ذات نزعة واقعية؟
يجب أن تكون السينما قريبة منا وتعبر عنا، لكن دون خوف من الطرح الجريء أو الأسئلة الصعبة. وأنا لا أحب السينما التي تقدم المجتمع كضحية فقط، أو التي تبيع صورة بائسة عنه. وأفضل شخصية “ضد البطل”، المهمشة لكنها تقاوم وتحلم ولا تستسلم.
كما أرفض أن يتم توظيف أفلامنا ضدنا من الخارج. نعم، ننتقد واقعنا، لكن من داخل رؤيتنا نحن، لا من أجل إرضاء نظرة خارجية.
يبدو أنك لا تهادن السرد الفيلمي التقليدي، وتسعى إلى تفكيكه. لماذا؟
لأن السينما بالنسبة لي تجربة شخصية. وعندما بدأت، كتبت سيناريوهات تقليدية، لكنني لم أجد نفسي فيها. وفضلت سينما أكثر حرية، قريبة مما يسمى “ما بعد السينما”، حيث لا يكون السرد خطياً بالضرورة.
تأثرت بمخرجين مثل كريس ماركر وجان لوك غودار، الذين كسروا قواعد السرد. والفكرة ليست في القصة فقط، ولكنها في كيفية طرحها، ويمكن أن تبدأ من النهاية أو من الوسط، المهم هو خلق تجربة فكرية وجمالية.
كيف تعرف السينما من وجهة نظرك؟
أعطيها عدة تعريفات، أولاً، الفيلم الذي يمكن فهمه دون مشاهدته هو مجرد عمل تلفزيوني، وليس سينمائياً. والسينما تتطلب حضوراً بصرياً وانتباهًا كاملاً.
ثانياً، السينما ليست فقط للفهم، بل للإحساس. وهناك أفلام تؤثر في الجسد والمشاعر، وهذا ما أسميه “السينما الحسية “.
ثالثاً، الفيلم الجيد هو الذي يزعجك قليلاً، يدفعك للتساؤل. وليس بالضرورة أن تحبه، لكن يجب أن يترك أثراً داخلك.
في فيلمك الأخير “المطرود من رحمة الله”،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
