د. عبدالله بن سليمان بن عبدالله المفرجي
وبعد تلك الرحلة في حلقات ثلاث سابقة شائقة، تجولنا فيها بين الدهشة والإعجاب؛ حيث تتلاقى الأحداث والأفكار في لحظة مثيرة لا تُنسى، يبرز لنا في الأفق سؤال جوهري: من يقود هذه الإصلاحات؟
تظهر لنا وتلوح في الأفق من أعجب التناقضات أن نرى على رأس بعض كليات التربية من لم يسبق له أن وقف في فصل دراسي، أو واجه تلميذًا مشاغبًا، أو ضعيفا في تحصليه الدراسي، أو عانى من ضغوط المناهج والامتحانات والإدارة المدرسية. فكيف لمن لم يعان مرارة التدريس أن يخطط لسياسات برامج إعداد المعلمين؟ وكيف لمن لم يذق حلاوة التأثير في الأجيال أن يوجه من سيتولون هذه المهمة الجليلة الصعبة؟ إنه اقتراح ثوري بكل ما تحمله الكلمة من معنى ودلالة، أن يكون عمداء كليات التربية من قدماء المعلمين والمعلمات المتميزين، أولئك الذين قضوا سنوات في غمار الميدان، وخاضوا تجارب التدريس في مختلف الظروف، وبرزوا في التطوير والابتكار التربوي، وأثبتوا جدارتهم في صناعة الفرق الحقيقي في حياة طلابهم. فإذا تصدر هؤلاء القيادة، فإنهم سيكونون أقدر الناس على فهم احتياجات المعلمين، وأدرى الناس بمشكلات الميدان، وأعرف الناس بسبل التطوير الحقيقي. وقد أشارت دراسة حديثة إلى أن قيادة كليات التربية من قبل خبراء ميدانيين تحسن جودة البرامج (Bryk et al., 2023).
كما يمكن أن يمتد هذا المبدأ إلى الهيئات الإشرافية في وزارات التربية والتعليم، فتصبح أغلب المناصب القيادية التربوية فيها حكرًا على من مروا بتجارب التدريس الميداني الناجح، لا على من قضوا حياتهم خلف المكاتب الإدارية يوقعون الأوراق ويصدرون القرارات من برج عاجي. فالمشرف التربوي الذي لم يسبق له أن أدار فصلًا دراسيًا حيا، لن يكون قادرًا على توجيه المعلمين وإرشادهم بكل منهجية واقتدار، ولن يفقه شيئًا من همومهم وتحدياتهم ومعانتهم كأمواج البحر المتلاطمة، لا تهدأ إلا حين تتعلم السفن فن الركوب على الظلال والعواصف، وسيظل قراره بعيدًا عن الواقع الحقيقي، وكلمته هامشية لا تأثير لها. تهدم قواعد التعلم، وتترك الطلاب تائهين بين الظلال والفراغ، فيذوب البناء التربوي، وتذبل ثمار المعرفة قبل أن تنمو. تترك الفضاء التربوي في صمتٌ قاتل في قلب العملية التعليمية، يقتل الفهم قبل أن يولد.
وقد طبقت فنلندا هذا المبدأ بنجاح واقتدار (Finnish National Agency for Education, 2024).
ولا يمكن إصلاح كليات التربية بمعزل عن محيطها، فالأمر يتطلب حتما بناء شراكات حقيقية مع المؤسسات المعنية المتخصصة من ذوي الخبرة والتجربة. ولعل من الأفكار الواعدة في الميدان إنشاء "المدارس المعملية المتكاملة" التابعة لكليات التربية، والتي لا تقتصر على كونها مواقع للتدريب الميداني العملي فحسب، بل تمثل مختبرات حية للابتكار التربوي. في هذه المدارس، يتم تطبيق وتجريب أحدث المناهج وطرق التدريس والتقنيات التعليمية الحديثة، تحت إشراف مشترك من الجامعة ووزارة التعليم. وتكون هذه المدارس بمثابة مراكز نشر للابتكارات الناجحة الملهمة، ونماذج يُحتذى بها للمدارس الأخرى. وقد أنشأت جامعة هلسنكي شبكة من المدارس المعملية، وكان لها دور كبير.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
