وفق البيانات المتاحة، يدفع المواطن المغربي ما يعادل نحو 7 دراهم مقابل 1 جيجابايت من الإنترنت وهو سعر يبدو متواضعاً بالأرقام المجردة، لكنه يصبح مرهقاً حين يُقاس بالدخل الفردي وبأسعار دول مقارنة كرومانيا والهند حيث تتيح نفس المبالغ عشرات الأضعاف من

حين يطالب المغاربة بعودة "نجمة 6"، فهم في الحقيقة لا يطالبون بعرض، بل يصرخون في وجه منظومة اتصالات كاملة أقنعتهم بأن القليل يكفي. فوفق تقرير لعام 2025، يحتل المغرب المرتبة الخامسة عالمياً في ارتفاع تكلفة الإنترنت الثابت، بمعدل يبلغ 1.16 دولار لكل ميغابايت/ثانية. وهو رقم يثير الاستغراب في بلد يُعد قوة إقليمية صاعدة ويطمح لأن يكون مركزاً رقمياً لأفريقيا.

وفق البيانات المتاحة، يدفع المواطن المغربي ما يعادل نحو 7 دراهم مقابل 1 جيجابايت من الإنترنت وهو سعر يبدو متواضعاً بالأرقام المجردة، لكنه يصبح مرهقاً حين يُقاس بالدخل الفردي وبأسعار دول مقارنة كرومانيا والهند حيث تتيح نفس المبالغ عشرات الأضعاف من البيانات اللامحدودة.

الثلاثي الحاكم: سوق بلا منافسة حقيقية

يتحكم في سوق الاتصالات المغربية ثلاثة لاعبين رئيسيين: اتصالات المغرب (IAM)، وإنوي (Wana Corporate)، وأورنج (Orange). غير أن التوازن بينها ظل وهماً لفترة طويلة.

ألزمت المحكمة التجارية الابتدائية في الرباط شركةَ "اتصالات المغرب" بتسديد تعويض مالي بقيمة 6.4 مليار درهم مغربي (630 مليون دولار) بسبب احتكار البنية التحتية للاتصالات في البلاد رغم تحرير السوق منذ أكثر من عقد من الزمن. وتعود جذور النزاع إلى ديسمبر 2021، حيث قدمت شركة "وانا كوربورات" (إنوي) شكوى اتهمت فيها اتصالات المغرب بـ"ممارسات مخلة بالمنافسة" و"الاستغلال التعسفي للوضع المهيمن".

هذا الحكم القضائي التاريخي ليس مجرد خبر قانوني، بل هو اعتراف رسمي بما يعيشه المغاربة يومياً: سوق يُقدّم شكل التعددية ومضمون الاحتكار.

فعلى مستوى خدمة ADSL تحديداً، ظلت اتصالات المغرب المسيطر الوحيد على السوق بنسبة تقترب من 100% من المشتركين.

البنية التحتية: قلعة اتصالات المغرب

لا يمكن إنكار أن اتصالات المغرب هي الشركة الأقدم في سوق الاتصالات المغربي، وتتمتع ببنية تحتية قوية وواسعة الانتشار، خصوصاً في خدمات ADSL والألياف البصرية، مما يترجم إلى تغطية شبكة أوسع خاصة في المناطق النائية.

هذه الهيمنة على البنية التحتية هي مفتاح الأزمة بأسرها. فحين تملك شركة واحدة الأسلاك والكابلات والأبراج، لا تنفع تعددية الرخص شيئاً؛ إذ يضطر المنافسون للمرور عبر بنيتها، وهو ما فتح باب "الاستغلال التعسفي" الذي أدانته المحكمة.

عروض مُجزأة لمستهلك مقيّد

تتراوح باقات الإنترنت المتنقل من الشركات الثلاث بين 119 درهماً للباقات الأساسية و349 درهماً للباقات الأكبر باقاتكم، مع سعات تبدو منطقية بالأرقام لكنها تقيّد المستخدم بتطبيقات بعينها وتحرمه من خدمات أساسية كيوتيوب أو منصات التعلم.

النموذج السائد قائم على "تجزئة الإنترنت": بدل أن تحصل على خدمة كاملة، تحصل على واتساب وفيسبوك، أو على يوتيوب وحده، أو على "إنترنت اجتماعي" في عروض رخيصة لا تصلح للدراسة أو العمل. وهو نموذج تخلت عنه كثير من الدول باعتباره ماساً بمبدأ حياد الشبكة.

صرخة الطلاب: من يعلّم من لا يملك إنترنت؟

تتكشف أبعاد الأزمة بشكل حاد حين ننظر إلى فئة الطلاب والتلاميذ. في عالم باتت فيه الدروس والمصادر البحثية والمنصات التعليمية تشترط اتصالاً مستقراً وغير محدود، يجد الطالب المغربي نفسه يدفع ثمن جيجابايتات تنفد في منتصف الشهر، ثم يُعاد للنقطة صفر. الإنترنت المحدود ليس مجرد إزعاج؛ إنه عائق هيكلي أمام التنمية البشرية.

هل وكالة ANRT في موقع القاضي أم المتواطئ؟

بدأ تقلص هيمنة اتصالات المغرب في السوق الوطنية بعد قرارات الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT) بتعميم تقنية 4G على الشركات الثلاث، لخلق مزيد من المنافسة. لكن وفق متابعين للقطاع، ظل دور الوكالة في تنظيم الأسعار وإلزام الشركات بجودة الخدمة دون المستوى المطلوب.

تراجعت جودة الخدمات بشكل صارخ، حيث يشتكي غالبية الزبناء من ضعف الصبيب وانقطاعه المتكرر وضعف التغطية، في حين تبقى الشركات منصبة اهتمامها على جني الأرباح فقط.

المقارنة الإقليمية: الصورة الكاملة

في المقابل، تقدم دول مثل مصر وتونس والأردن وجنوب أفريقيا باقات إنترنت لامحدود بأسعار مقاربة أو أدنى، مع سرعات أعلى. أما في أوروبا، فحزمة إنترنت ثابت لامحدود بسرعة جيجابايت لا تتجاوز 20-30 يورو شهرياً. الفارق ليس في الجغرافيا، بل في الإرادة التنظيمية والمنافسة الحقيقية.

خلاصة: نجمة 6 ليست الحل، بل علامة المشكلة

عودة "نجمة 6" إن عادت ستُسكّن الألم لأسابيع، لكنها لن تعالج الداء. المطلوب اليوم سياسة وطنية واضحة تقوم على ثلاثة محاور:

أولاً: فرض إنترنت لامحدود حقيقي بأسعار تتناسب مع متوسط الدخل المغربي، بعيداً عن نموذج "القطارة" المجزأة.

ثانياً: تفكيك الهيمنة الفعلية على البنية التحتية وإتاحتها للمنافسين بشروط منصفة وشفافة، وهو ما أكده الحكم القضائي التاريخي ضد اتصالات المغرب.

ثالثاً: تحويل ANRT من وكالة تتفرج إلى هيئة تنظيمية ذات أسنان حقيقية، قادرة على إلزام الشركات بمستويات جودة محددة تحت طائلة غرامات رادعة.

المغرب يطمح لأن يكون مركزاً رقمياً لأفريقيا، ويستضيف فعاليات دولية كبرى، ويتحدث عن اقتصاد المعرفة. لكن كل هذه الطموحات ستظل حبراً على ورق طالما أن الإنترنت يُعدّ ترفاً لا حقاً، وطالما أن المواطن يحتاج إلى التفاوض مع هاتفه كي يُتمّ درساً أو يُنجز عملاً.

المغرب لا يحتاج إلى نجمة واحدة تُضاء وتُطفأ بقرار شركة بل يحتاج إلى سماء كاملة من الاتصال المفتوح.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 6 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 8 ساعات
2M.ma منذ 12 ساعة
آش نيوز منذ 8 ساعات
بلادنا 24 منذ 8 ساعات
هسبريس منذ ساعتين
موقع بالواضح منذ 25 دقيقة
آش نيوز منذ 10 ساعات
هسبريس منذ ساعتين