يستلهم فيلم Project Hail Mary " مشروع هيل ماري" عددًا من الثيمات السينمائية المألوفة إنقاذ الأرض، المهمة المستحيلة، البطل الوحيد في مواجهة المجهول لكنه لا يعيد تقديمها كما هي، بل يعيد تفكيكها من الداخل.
يستيقظ جريس (ريان جوزلينج) من سبات فضائي طويل، ليجد نفسه وحيدًا داخل سفينة، محاطًا بجثتي رفيقيه، وذاكرة ناقصة، ومهمة لا يتذكر تفاصيلها بالكامل.
هو ليس رائد فضاء بالمعنى التقليدي، ولا بطلاً تم اختياره لأنه الأفضل، بل دكتور بيولوجي مغمور يعمل مدرس إعدادي وجد نفسه لسبب ما في مهمة تبدو أقرب إلى انتحار علمي من كونها إنقاذًا مدروسًا.
ذاكرة تُبنى في الفضاء يعتمد الفيلم على بناء سردي مزدوج، لا يكتفي بحكاية ما يحدث داخل سفينة الفضاء، بل يقيم توازنه الحقيقي بين الحاضر المعزول، والماضي الذي يُستعاد تدريجيًا عبر ومضات من الذاكرة.
في الخط الأول، نتابع جريس وهو يستيقظ داخل السفينة في حالة من الارتباك شبه الكامل: لا يتذكر اسمه في البداية، ولا طبيعة مهمته، ولا حتى سبب وجوده هناك. المشاهد الأولى التي يحاول فيها قراءة البيانات، أو فهم تركيب السفينة، أو حتى استيعاب موت زميليه تُبنى ببطء محسوب، يجعل المشاهد شريكًا في هذا التيه.
في المقابل، يأتي خط الفلاش باك ليعيد ترتيب الصورة. نحن لا نحصل على قصة كاملة دفعة واحدة، بل على أجزاء متفرقة: مشاهد من حياة جريس على الأرض، عمله كمدرس، تردده، خوفه من المسؤولية، ثم دخوله التدريجي في المشروع الذي سيقوده في النهاية إلى الفضاء. هذه المشاهد لا تشرح فقط كيف وصل إلى هناك، بل تكشف من هو أصلًا.
الأهم أن الخطين لا يعملان بشكل منفصل، بل يتبادلان التأثير. كلما تقدم جريس في فهم مهمته في الحاضر، أعادت ذاكرته تفسير ماضيه، والعكس صحيح. لحظة علمية في الفضاء قد تستدعي ذكرى على الأرض، وقرار في الماضي قد يكتسب معنى جديدًا بعد تجربة قاسية في الحاضر. هذا التداخل يمنح السرد عمقًا إنسانيًا حقيقيًا، ويمنع الفيلم من الوقوع في فخ المباشرة.
الهروب من البطولة جريس ليس بطلًا بالمعنى التقليدي، ولا حتى مشروع بطل، بل شخصية تبدأ من منطقة قريبة جدًا من الإنسان العادي: الخوف، التردد، والرغبة الغريزية في النجاة بأقل الخسائر الممكنة.
في مشاهد الفضاء الأولى، يظهر هذا بوضوح. ارتباكه أمام أبسط التفاصيل، محاولاته المتعثرة لفهم ما يحدث، وحتى تعليقاته الساخرة التي تبدو كآلية دفاع أكثر منها خفة ظل، كلها ترسم شخصية لا تثق في قدرتها على السيطرة.
لكن التحول الحقيقي يحدث عبر سلسلة من المواقف الصغيرة. كل تجربة ينجح فيها، تضيف طبقة جديدة من الثقة، دون أن تمحو خوفه الأساسي. وهنا تكمن براعة الأداء: جريس لا يتحول إلى نسخة أقوى، بل إلى نسخة أكثر وعيًا بضعفه، وأكثر قدرة على التعامل معه.
هذا الخط الداخلي يتقاطع بذكاء مع خط الفلاش باك على الأرض، حيث تظهر شخصية إيفا سترات (ساندرا هولر) كقوة مضادة تمامًا. هي تمثل الحسم، الصرامة، والوضوح الأخلاقي الذي يفتقده جريس. المشاهد التي تجمعهما خاصة تلك التي تدفعه لاتخاذ قرار الانضمام إلى المهمة لا تُبنى على الإقناع التقليدي، بل على المواجهة: مواجهة جريس بحقيقته، وبما يحاول الهروب منه.
حين يصبح الآخر ضرورة يبني الفيلم حبكته على تجربة الوحدة. جريس لا يواجه فراغ الفضاء فقط، بل يواجه فكرة أن يكون الإنسان بلا مرآة تعكسه، بلا صوت آخر يختبر من خلاله أفكاره، أو حتى يؤكد له أنه ما زال موجودًا.
في البداية، يحاول الفيلم ملء هذا الفراغ بالأدوات: العلم، التجارب، الحسابات، والروتين اليومي. جريس يتحدث مع نفسه، يشرح خطواته بصوت مسموع، يسجل ملاحظاته، وكأنه يصنع شريكًا وهميًا يشاركه التفكير. هذه اللحظات، رغم بساطتها، تحمل قدرًا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من مجلة هي
