ما علاقة النزعات التسلطية بتدهور اللغة ومَلَكات التفكير؟ كيف تقوم خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات الذكاء الاصطناعي بتكييف الأذهان، وتوجيه العقول، والتأثير على الاختيارات والمواقف؟ هل ما يزال من الممكن بناء حقائق اعتمادا على الحوار والتداول والإنصات المتبادل وتقاسم أفضل الحجج؟ وما هي حظوظ التفكير النقدي، ودور العمل السينمائي على كشف ما يتعرض له الإنسان اليوم من استلاب، وضياع، واستعْباد؟
في كتابه “بحث في الحريات” ، وفي سياق تحليله لمظاهر التوتاليتارية ومقتضيات النظام الديمقراطي، اعتبر ريمون آرون أن جورج أورويل “عرف كيف يحافظ على فكر أخلاقي في قرن من دون أخلاق”. لقد وقرَّر وضع مسافة مع التضليل في زمن هيمنت فيه الإيديولوجيات بشكل مُدوٍّ، وسادت فيه أكاذيب السياسة ومختلف أشكال المساومة. وحين تحدث آرون عن الأخلاق فإنه لم يكن يقصد أن أورويل وجَّهته مرجعيات دينية أو تشبَّث بقيم مُجردة، وإنما أكد على الوضوح الفكري والسياسي الذي أصر عليه بخصوص الوفاء للحقيقة الواقعية، وشجبه المبدئي لسخافة النفاق السياسي، ولانسجامه بين قناعاته ومضامين رواياته وكُتبه. فهو لم يكُف عن التأكيد على أن مبدأ الحرية ذاته يجد في وضوح الكلام والالتصاق بالوقائع أفضل السبل لتحقُّقه وتصريفه.
لم يقتصر أورويل على كشف بنية النظام التوتاليتاري، وتبيان منظومة الخداع التي يستخدمها للحفاظ على السلطة وممارسة السيطرة كما كشف عن آلياتها في روايته “1984” فقط، سواء أتعلق الأمر بالفاشية أو بالستالينية التي كاد أن ينكوي بنارها في مشاركته في حرب إسبانيا ما بين سنتي 1939 -1936؛ بل إنه سبق له أن أدان، بشكل تنبُّئي، تمظهرات التوتاليتارية المُؤسَّسة على الاستخدام والتضليل بفضل التكنولوجيا في روايته “مزرعة الحيوانات” التي ألفها سنة1945 .
والظاهر أن زمن العالم الذي نعيش فيه اليوم يستدعي ما يتيحه هذا النوع من الكتابات الأدبية من انفتاحات عمل أصحابها على الجمع بين قدرتها على كشف الوقائع ووصفها وتشخيص تناقضاتها وتهافتها، وعلى التنبؤ بما يمكن أن يحصل للعالم في فترات التوتر والجموح السياسي نحو التسلطية والتحكُّم، والنزوع إلى التهديد العسكري وإشعال الحروب، واللجوء إلى نهج سياسات البطش وممارسة الشر.
اقتبس العديد من المخرجين موضوعات أفلامهم من روايات جورج أورويل، حيث كانت رواية 1984 موضوعا لمسلسل بنفس العنوان أخرجه للتلفزيون البريطاني بول نيكل Paul Nickel سنة 1953، وفيلم “الأخ الأكبر” Big Brother (1956) أخرجه مايكل آندرسون Michael Anderson، كما أخرج مايكل رادفوردMichael Radford فيلما بنفس العنوان سنة 1984. أما رواية “حديقة الحيوانات” فقد قام جون هالاس John Halas سنة 1954 باقتباسها وإخراج فيلم بطلب وتمويل من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA)) في إطار الهجوم الشرس للمكارثية على المبدعين والكتاب النقديين في أمريكا، والذين تعرضوا لأشكال بطش وقمع في إطار الحملة الدعائية ضد الشيوعية. وقد تضمن الملصق الإشهاري للفيلم شعارا كان له صدى كبيرا يقول: “تضحكون كثيرا، ستبكون قليلا”. أما البريطاني آندي سركيس Andy Serkis فقد أنجز فيلما من نوع أفلام التحريك بنفس عنوان الرواية سنة 2025.
في سياق المسار السينمائي و”النضالي” الذي اختاره المخرج الهايتي “راوول بيك” Raoul Peck أنجز فيلما بعنوان “أورويل 5=2+2” (2025). وقد أخرج قبله عددا من الأفلام القصيرة، والروائية والوثائقية، تندرج كلها ضمن انخراطه في كشف آليات الاستعباد والاستغلال التي تعرضت له الشعوب المستعمَرة، وما تتعرض له من نهب لثرواتها من طرف الرأسمالية. فهو يعتبر أن السينما حقل إبداعي يجب أن يكون سلاحا للنقد، والكشف، والإدانة، والدفاع عن الحرية والحقيقة. لذلك أخرج فيلمين عن باتريس لومامبا روائي ووثائقي، وفيلم بعنوان “كارل ماركس الشاب”، ثم “لست زنجيا” عن حياة ومعاناة الكاتب الأفروأمريكي جيمس بالدوين، وغيرها من الأفلام. وتظهر على أعماله تأثيرات واضحة للاختيارات الإخراجية للفرنسييْن كريس ماركر Chris Marker وجان لوك غودار Jean Luc Godard، خصوصا في فيلميه “اشتراكية” و”كتاب- صورة”، وإن كان هذا الأخير يفضل قراءة التعليق اعتمادا على ذبذبات صوته المترنحة شخصيا.
عرض راوول بيك في فيلم “أورويل: 5=2 + 2″، قراءة فيلمية خاصة لرواية أورويل من خلال القيام بعملية تركيب بين أحداث مضت وبين ما يعرفه الحاضر من قصف لا متوقف من الصور والأخبار الكاذبة. يتعلق الأمر بجملة قضايا تناولها أورويل في روايته بأسلوبه التخيُّلي، ومنها بالأساس ما تقوم به النخب والسلط المتحكمة في العديد من البلدان لتغيير معاني الكلمات، وخلق الغموض، وإنتاج التضليل في أوساط المجتمع لدرجة تصل فيها هذه السلط إلى إلزام الناس باعتبار أن 5=2 + 2. كما يبرز كيف أن تدهور اللغة مُقدِّمة لإنهاك الديمقراطية، ما دام الإفراغ التدريجي للكلمات من معانيها ينتج بلاغة تفرض ذاتها، بطرق مُسترسلة ومكرورة، لدرجة يصل فيها الناس إلى قبول ما لا يقبل.
باعتماده على أرشيف غني ومتنوع وعلى انتقاء نصوص جورج أورويل وقراءة مباشرة لها، لخدمة سرده السينمائي، قام راوول بيك بتركيب مستندات بصرية.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
