سامير.. من مشروع سيادي إلى أكبر ملف طاقي وقضائي معلق في المغرب

لم تكن سامير مجرد شركة صناعية عادية، بل كانت لعقود رمزًا للسيادة الطاقية المغربية وركيزة أساسية في منظومة الاقتصاد الوطني. غير أن هذا المشروع الذي انطلق في نهاية الخمسينيات، انتهى به المطاف إلى التوقف الكامل عن التكرير ثم الدخول في التصفية القضائية، ليتحول إلى أحد أكثر الملفات تعقيدًا في المغرب، حيث تتداخل فيه رهانات الطاقة والمالية العمومية والقضاء والتحكيم الدولي. وحتى أبريل 2026، ما تزال المصفاة خارج الخدمة، بينما فشل آخر عرض كبير لإنقاذها، في وقت يستمر فيه النزاع الدولي مع مجموعة كورال .

تعود جذور شركة سامير إلى سنة 1959، حيث تم تأسيسها في إطار شراكة مغربية-إيطالية، وكانت تحمل في بدايتها اسم الشركة المجهولة الاسم المغربية والإيطالية للتكرير ، قبل أن تتحول لاحقًا إلى الشركة المغربية للصناعة والتكرير . وقد جاء هذا المشروع في سياق بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال، بهدف تقليص التبعية الخارجية في مجال الطاقة، عبر تطوير قدرة محلية على تكرير النفط بدل الاقتصار على الاستيراد.

مع بداية الستينيات، دخلت المصفاة طور الاستغلال في مدينة المحمدية، لتصبح المنشأة الوحيدة في المغرب المتخصصة في تكرير النفط. وقد ساهم موقعها الاستراتيجي قرب الميناء البترولي في تعزيز دورها، حيث شكلت منذ البداية عنصرًا محوريًا في تأمين حاجيات السوق الوطنية من المحروقات.

ارتبطت سامير منذ نشأتها بفكرة الأمن الطاقي، حيث لم يكن دورها يقتصر على التكرير فقط، بل امتد ليشمل التخزين وضمان استمرارية التزود. ومع مرور السنوات، توسعت قدراتها الإنتاجية واللوجستية، لتصبح ركيزة أساسية في توازن السوق الوطنية.

وقد بلغت طاقة التكرير مستويات مكنت نظريًا من إنتاج حوالي 10 ملايين طن سنويًا من المشتقات النفطية، وهو ما كان يسمح بتغطية نحو 67% من احتياجات المغرب من بعض المواد البترولية، إلى جانب قدرة تخزينية مهمة تدعم المخزون الوطني لأسابيع.

خلال التسعينيات، دخلت سامير مرحلة جديدة مع إدراجها في بورصة الدار البيضاء، قبل أن يتم تفويتها في إطار سياسة الخوصصة بين سنتي 1996 و1997. وقد انتهت هذه العملية بانتقال السيطرة إلى مجموعة كورال ، المرتبطة بمحمد حسين العمودي، والتي أصبحت تمتلك حوالي 67% من رأس المال.

هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الملكية، بل رافقته التزامات استثمارية كبرى، حيث تم في ديسمبر 2004 توقيع اتفاقية لتحديث المصفاة، تضمنت برنامجًا ضخمًا يهدف إلى تحسين جودة الإنتاج وملاءمته مع المعايير الدولية، خاصة فيما يتعلق بنسبة الكبريت، إضافة إلى تطوير القدرات التقنية واللوجستية.

رغم أهمية برنامج التحديث، فإن كلفته المرتفعة شكلت عبئًا كبيرًا على الشركة، حيث استلزم تمويلًا ضخمًا عبر القروض والأسواق المالية. ومع مرور الوقت، بدأت الضغوط المالية تتزايد، خاصة في ظل تقلبات أسعار النفط العالمية وضعف هوامش التكرير في بعض الفترات.

وفي سنة 2014، سجلت الشركة خسائر مالية كبيرة، نتيجة انهيار أسعار النفط وتراجع قيمة المخزون، ما أدى إلى تفاقم الوضعية المالية. كما أشار بنك المغرب في تقريره لسنة 2015 إلى أن هذه الصعوبات أدت إلى توقف عدة وحدات إنتاجية ابتداء من غشت 2015.

في غشت 2015، توقفت سامير عن جزء كبير من نشاطها، قبل أن يتوقف التكرير بشكل كامل نتيجة الاختناق المالي وعدم القدرة على تأمين التمويل اللازم. وقد جاء هذا التوقف في توقيت حساس، حيث سبق التحرير الكامل لأسعار المحروقات بشهرين فقط، وهو ما اعتبره مجلس المنافسة تطورًا بالغ الأهمية.

هذا الحدث شكل نقطة تحول في السوق المغربية، إذ انتقل المغرب إلى الاعتماد شبه الكامل على استيراد المنتجات المكررة، في حين تراجعت القدرات الوطنية للتخزين، وبقيت مستويات المخزون الأمني أقل من الحد القانوني المحدد في 60 يومًا في عدة فترات.

في 21 مارس 2016، قضت المحكمة التجارية بالدار البيضاء بوضع سامير في التصفية القضائية، قبل أن يتم تأكيد القرار في يونيو من نفس السنة. وقد مثل هذا القرار نهاية رسمية لنشاط الشركة، لكنه في المقابل فتح الباب أمام أزمة طويلة ومعقدة.

ومنذ ذلك التاريخ، تحول الملف إلى قضية متعددة الأبعاد، تشمل أصولًا صناعية ضخمة متوقفة، وديونًا ثقيلة، ومصالح متشابكة بين الدائنين والجهات العمومية، إضافة إلى نقاش مستمر حول مستقبل المصفاة، سواء من خلال البيع أو التأميم أو الإبقاء على الوضع القائم.

بالتوازي مع المسار القضائي داخل المغرب، انتقل النزاع إلى المستوى الدولي، حيث رفعت شركة Corral Morocco Holdings AB دعوى تحكيم ضد الدولة المغربية أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار. وقد تمحور النزاع حول ادعاءات تتعلق بسوء المعاملة والاستثمار.

وفي 15 يوليوز 2024، صدر حكم يقضي بمنح تعويض قدره 150 مليون دولار، وهو مبلغ أقل بكثير من المطالب الأصلية التي بلغت حوالي 2.7 مليار دولار. غير أن الملف لم يُغلق، حيث تقدم المغرب بطلب إلغاء جزئي للحكم، ولا تزال الإجراءات مستمرة إلى حدود 2026، مع تمديد وقف التنفيذ باتفاق الطرفين.

خلال فبراير 2026، برزت محاولة جديدة لإعادة إحياء المصفاة من خلال عرض استثماري كبير قدمه مستثمر إماراتي عبر شركة MJM Investments Limited، بقيمة تراوحت بين 34 مليار درهم و3.5 مليارات دولار. غير أن المحكمة التجارية اعتبرت العرض غير مستوفٍ للشروط، وتم رفضه.

هذا الرفض أعاد الملف إلى نقطة التعثر، حيث ظلت المصفاة متوقفة، وفشلت محاولة إنقاذها، في وقت لم يتم فيه حسم النزاع الدولي بعد.

تشير المعطيات إلى أن إعادة تشغيل سامير تظل رهينة مجموعة من الشروط المعقدة، تشمل الحسم القانوني لوضعية الأصول، وتوفير استثمارات ضخمة لإعادة التأهيل، وضمان جدوى اقتصادية في سوق محررة، إضافة إلى وضوح مآل النزاع الدولي.

تعكس قصة سامير مسار تحول عميق في الاقتصاد المغربي، من نموذج قائم على الإنتاج المحلي والسيادة الطاقية، إلى نموذج يعتمد على الاستيراد والسوق الحرة. وقد بدأت هذه القصة سنة 1959 كمشروع وطني، قبل أن تمر بمرحلة الخوصصة والتحديث، ثم تنتهي إلى التوقف والتصفية سنة 2016. أما في 2026، فإن الأزمة ما تزال مستمرة، في ظل فشل محاولات الإنقاذ واستمرار النزاع الدولي، ما يجعل من سامير ملفًا مفتوحًا يجمع بين الاقتصاد والقضاء والسياسة الطاقية.


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ ساعة
منذ 40 دقيقة
منذ ساعة
منذ 59 دقيقة
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
هسبريس منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 15 ساعة
هسبريس منذ 18 ساعة
هسبريس منذ 18 ساعة
وكالة الأنباء المغربية منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 22 ساعة
2M.ma منذ 19 ساعة
موقع طنجة نيوز منذ 8 ساعات