لا يسير التاريخ في خط مستقيم. يتحرك غالبا في دوائر خفية، تتقاطع فيها الأحداث ثم تتباعد، قبل أن تلتقي من جديد في لحظة كاشفة.
ما يبدو اليوم تناقضا بين الوقائع، قد يتحول غدا إلى مسار واحد متماسك، وهذا ما نشهده في التباعد المتزايد بين أميركا وأوروبا، حيث لم يعد حلف شمال الأطلسي ذلك الكيان الصلب الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، وقد أصبح ساحة لتوترات عميقة، تتعلق بتوزيع الأعباء، وتعريف العدو، وحدود الالتزام.
منذ سنوات، تتصاعد داخل أوروبا أصوات تدعو إلى الاستقلال الدفاعي، مدفوعة بإحساس متزايد بأن المظلة الأميركية لم تعد مضمونة كما كانت، خاصة مع التحولات التي قادها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حين أعاد طرح سؤال الكلفة، ودفع الحلفاء إلى تحمل مسئولياتهم العسكرية، ملوحا بتقليص الدور الأميركي، وهذا التحول فتح الباب أمام تفكير أوروبي مختلف، يتجه نحو بناء قدرة عسكرية ذاتية، مدعومة بصناعة دفاعية مشتركة، ومشاريع تسليح عابرة للحدود.
في قلب هذا التحول تبرز مفارقة لافتة، فالحرب التي اندلعت بين روسيا وأوكرانيا بسبب سعي الأخيرة إلى الاقتراب من الناتو، قد تنتهي إلى نتيجة معاكسة تماما، إذ لم تعد كييف هي التي تسعى إلى الحلف، لكنها أصبحت مرشحة للتحول إلى مركز ثقل عسكري لأوروبا نفسها، من خلال خبرتها القتالية، وبنيتها العسكرية التي تشكلت تحت ضغط الحرب، باتت نموذجا جاهزا يمكن البناء عليه، في وقت تعترف فيه دول أوروبية كثيرة بأنها تفتقر إلى جيوش تمتلك خبرة ميدانية مماثلة.
بهذا المعنى يتحقق مكر التاريخ، إذ تتحرك القارة نحو أوكرانيا، وليس العكس، ويتحول المسار من طلب الانضمام إلى إعادة تشكيل مركز القوة ذاته.
وفي موازاة ذلك، تظهر أفكار تعيد تعريف التحالف من أساسه، من بينها ما طرحه بعص الساسة الأوروبيين حول إنشاء "ناتو اقتصادي"، يقوم على دمج السوق الأوروبية والأميركية في كتلة واحدة قادرة على فرض قواعد التجارة العالمية، ومواجهة صعود قوى كبرى مثل الصين.
هذه الرؤية تعكس إدراكا متزايدا بأن التحالف لم يعد عسكريا كما كان، وأصبح مع متغيرات الواقع حلفا اقتصاديا أيضا، متأثرا بمنطق الصفقات الذي اتخذه ترامب منطقا وحيدا في العلاقات الدولية.
غير أن هذا التحول لا يمكن فصله عن الحرب المركبة التي دارت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهي حرب لم تحسم عسكريا بقدر ما أعادت تشكيل البيئة الإستراتيجية المحيطة بها.
وكشفت هذه المواجهة حدود القوة الصلبة، وأظهرت أن أدوات مثل إغلاق الممرات البحرية، والضغط على سلاسل الإمداد، واستخدام التكنولوجيا منخفضة الكلفة كالمسيّرات، قادرة على إعادة توزيع التأثير خارج ساحات القتال المباشر، كما دفعت هذه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
