اضطراب الشخصية النرجسية

د. يحيى أحمد القبالي يسير علماء النفس بخطى حثيثة للبحث والاستقصاء عن كلّ ما يؤدّي إلى نقص في الشخصية الإنسانية ويعملون جاهدين للوقاية من هذه النقائص ومن ثم علاجها إذا ما استحكمت من الفرد، بهدف تكامل تلك الشخصية والوصول بها إلى الصحة النفسية المثالية لحماية الأفراد والمجتمعات. وتعدّ دراسة الشخصية الإنسانية من أصعب الدراسات وأكثرها تعقيدًا في علم النفس، فسبر غورها أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع، فمكنوناتها عصية على الفهم والاستيعاب نظرًا لتفرّد شخصيات البشر بفروقاتها الفردية، فمن الصعوبة بمكان أن نجد تطابقًا تامًا بين شخصية وأخرى بصفاتها الجسمية أو سماتها النفسية، ولقد طُبع الأفراد على النزوع لفهم الآخرين وتحليل سلوكهم ودوافعهم والتعرف على مداخل أنفسهم ظاهرة وباطنة، ولم يكن هذا الأمر طارئًا على البشرية، فمنذ فجر التاريخ كانت الفراسة تعدّ دليلًا على الخير والشر من خلال نظرة سريعة فاحصة للصفات الجسدية، حتى أصبحت علمًا له دلالاته في الأوساط الاجتماعية، وكان الدافع خلف رواج هذا العلم هو صعوبة تصنيف الأفراد من خلال ما يضمرون، فكثيرًا ما يقع الفرد فريسة في شراك الآخرين بحسن نيّته وظنّه الحسن بهم، وتحدث الصدمة النفسية له حين يكتشف زيف ما كان يظهره له الآخرون ولكن- ولات حين مناص- بعد فوات الأوان، وتترك تلك الخبرة النفسية السيئة ندوبًا في حياة الضحية لا يقدر الزمن على محوها. وفي هذا الصدد يقول الشاعر: ولرب عيونٍ وهي تبدو بصيرة... تشد لقلبٍ كان غير بصير.

ومن الاضطرابات التي توقف عندها علماء النفس وأشبعوها بحثًا وما زالوا يبحثون عن جوانب الغموض فيها هو اضطراب الشخصية النرجسية، وقبل الخوض في تعريف تلك الشخصية وخصائصها دعونا نتعرف على أصل تلك التسمية من خلال عرض بسيط نستشف من خلاله عمق الصراع للمصاب بذلك الاضطراب وشدة المعاناة لمن يقع بشباك النرجسي، وكلمحة تاريخية لمفهوم النرجسية فقد جاءت هذه التسمية (النرجسية) من الأساطير الإغريقية، لقد بدأت الميثولوجيا اليونانية بغير العادة بأسطورة عن الجمال المفرط ودون استئذان بعيدًا عن الخطيئة، والشر، والفقر، من خلال فتى يدعى (Narcissus) وصف بأنّه الأجمل على الإطلاق بمدينته، بل جسّد الجمال بحقيقته، ليس الجمال الملفت أو المبهر بل الجمال الطاغي، كان ابن الإله كيفيسوس (إله النهر) والحورية (ليروبي) آلهة الغابة، وبهذا جمع الابن (نارسيس) بين عذوبة الماء وغموض الغابة، بين متضادين السطح والعمق، ومنذ نعومة أظفاره لم يكن يشبه أحدًا، وقد وقع الرجال والنساء في حبّه على حدٍ سواء، دون أيّ تواصل لفظي منه أو تبادل لمشاعر، ولم يخطر بباله أن يبادل أحدًا هذا الحبّ؛ لأنّه ببساطة كان يرى العالم ولا يرى نفسه، وقد شغف من حوله حبًا دون أن يبادلهم الشعور نفسه، وسبب ذلك العرّاف (تيريسياس) الذي حذّر والديه عند ولادته بنبوءة غامضة مضمونها: "سيعيش طويلًا... ما لم ير نفسه" فأخفوا عنه كلّ ما يمكن أن يعكس صورته ويرى نفسه من خلاله.

أدركت الآلهة أنّ رؤية (نارسيس) لنفسه لن تكون رؤية بصرية فقط بل لحظة وعي قد تكون قاتلة، لم ير (نارسيس) صورته من قبل ولم يعرف ذاته، كان يرى ذاته من خلال نظرات الإعجاب العميقة في عيون الآخرين فقط، كان الجمال لديه شكلًا دون معنى، قشورًا دون جوهر، كان مغرورًا لأنّه محط إعجاب الجميع دون استثناء، امتلك صورة مبهرة لا يدري بكنهها؛ لأنه ضحية لتوق الآخرين، لا ذنب له إلّا جماله الفاتن الذي لا يعرف كيف يحيا به، وكيف سيتفاجأ بصورته، وحينها لن يلوم من وقعوا بحبّه. كان لا يرحم أحدًا ولا يجد العطف سبيلًا إلى قلبه، ولا يضع اعتبارًا لمشاعر الآخرين تجاهه، فلا يوجد بالنسبة له ما يغري في الحبّ، فهو لا يعرف كيف يحبّ.

وفي الأثناء كانت الحورية (إيكو) تراقب (نارسيس) من بعيد يذوب قلبها.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 10 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 9 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 9 ساعات
خبرني منذ 12 ساعة
التلفزيون الأردني منذ 11 ساعة
قناة المملكة منذ 18 ساعة
قناة رؤيا منذ 9 ساعات
قناة رؤيا منذ 12 ساعة
قناة رؤيا منذ 22 ساعة
قناة المملكة منذ 13 ساعة
خبرني منذ 14 ساعة