لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة تواصل عابرة، بل أصبح امتدادًا حقيقيًا للوجود الإنساني، تتشكل فيه القيم، وتُبنى فيه التصورات، وتُخاض فيه معارك المعنى والهوية. غير أن هذا الامتداد، بدل أن يكون مجالًا للتعارف والتراحم كما أراد له الإسلام، تحول في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع لفظي، يتجلى فيه التنمر والسخرية والاستهزاء بأبشع صوره، خصوصًا في المجتمعات العربية والإسلامية، حيث يفترض أن يكون الخطاب منضبطًا بقيم الدين وأخلاقه.
إن خطورة التنمر الرقمي لا تكمن فقط في كونه اعتداءً لفظيًا عابرًا، بل في كونه ممارسة تُحدث تصدعات عميقة في البناء النفسي والاجتماعي للفرد، وتُسهم في تفكيك النسيج القيمي للمجتمع. فالكلمة في المنظور الإسلامي ليست مجرد صوت عابر، بل هي فعل أخلاقي له تبعاته في الدنيا والآخرة، وقد جعلها القرآن معيارًا للإيمان أو النفاق، وميزانًا للرقي أو الانحطاط. يقول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وهي آية تؤسس لرقابة ذاتية دائمة، تغيب اليوم في كثير من الممارسات الرقمية التي تتسم بالتسرع والاستهانة.
كما أن الوحي وضع حدودًا واضحة تمنع السخرية والاستهزاء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ...﴾، وهي قاعدة أخلاقية تهدم منطق الاستعلاء الذي يقوم عليه التنمر. ويعزز ذلك قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، حيث يجعل من إيذاء الآخر إيذاءً للذات الجماعية، في إشارة إلى وحدة المجتمع وترابطه. بل إن الأمر يتجاوز النهي إلى التوجيه الإيجابي، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وهو توجيه يؤسس لخطاب قائم على اللطف والاحترام.
غير أن ما نشهده اليوم هو انفلات خطير في استعمال الكلمة، حيث تُستعمل للسخرية، والتشهير، والتحقير، وكأنها سلاح بلا ضابط. ويزداد الأمر خطورة حين يتسرب هذا السلوك إلى دوائر كان يُفترض فيها أن تكون حارسة للقيم، كالدعاة والمشايخ والأساتذة الجامعيين. وهنا تتحول المشكلة من مجرد انحراف فردي إلى أزمة في النموذج والقدوة. فإذا سقط الخطاب في فخ الاستهزاء، فقدَ قدرته على الإقناع والتأثير، وتحول إلى عامل نفور بدل أن يكون وسيلة هداية.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
