التعاطي مع “الذكاء الاصطناعي” في تيه بين الوهم الدلالي والواقع الحسابي

كثر الحديث مؤخرا عن موضوع هذا الذكاء كما كثر اللغط وقتها عن العولمة وكأنها عصا موسى لدول الجنوب العالمي لتقليص فجوتها مع الدول المتقدمة. والآن أضحى مصطلح “الذكاء الاصطناعي” أحد أكثر العبارات تداولًا في الخطاب العلمي والإعلامي المعاصر، إلى درجة بات معها يُستعمل بوصفه توصيفًا بديهيًا لا يثير تساؤلًا حول دلالته. غير أن هذا الاستعمال الشائع يخفي إشكالًا دلاليا ومفاهيميا عميقًا، يتمثل في الانزلاق الدلالي الذي يطرأ على لفظ “الذكاء” حين يُنقل من مجاله الإنساني إلى المجال التقني.

فالذكاء، في معناه الإنساني، يحيل على منظومة معقدة من القدرات الذهنية، تشمل الفهم، والتأويل، والوعي، والإدراك السياقي البراغماتي، والقدرة على اتخاذ القرار في ضوء معطيات متغيرة. وهو بهذا المعنى ليس مجرد معالجة للمعلومات، بل بناء دلالي وسياقي مجالي يتأسس على معرفة وعلم وتجربة ذاتية وعلى انخراط في العالم. أما ما يُصطلح عليه بـ”الذكاء الاصطناعي” فإنه لا يستبطن هذه الأبعاد، بل يقتصر على كونه جملة من الإجراءات الحسابية القائمة على معالجة البيانات.

وعليه فإن ما نسمّيه “ذكاءً اصطناعيًا” ليس، في جوهره، إلا منظومات خوارزمية متقدمة، تعتمد على تحليل كميات هائلة من المعطيات (Big Data)، واستخراج أنماط إحصائية تسمح بإنتاج مخرجات تبدو، في ظاهرها، محاكية للسلوك الذكي. غير أن هذه المحاكاة لا تعني امتلاكًا حقيقيًا للذكاء، بل تعكس قدرة حسابية على التكيّف مع المعطيات وفق أهداف محددة سلفًا.

وفي هذا السياق تقتضي المقارنة بين ما يمكن تسميته “الذكاء الاصطناعي” و”الذكاء الإنساني” توضيح الفروق الجوهرية بينهما؛ فالذكاء الإنساني يقوم على الفهم الدلالي، والوعي بالذات، والقدرة على التأويل، والتفاعل مع السياقات الثقافية والاجتماعية، في حين أن ما يُنسب إلى الذكاء الاصطناعي لا يتجاوز مستوى المعالجة الصورية والشكلية للبيانات، القائمة على احتمالات إحصائية وعلاقات ترابطية بين الوحدات اللغوية أو المعطيات الرقمية. وبعبارة أدق إذا كان الذكاء الإنساني يشتغل على مستوى المعنى أو المفهوم فإن الذكاء الاصطناعي يشتغل على مستوى البنية (الشكل) والنموذج (Pattern)، دون الدخول إلى البعد الدلالي الحقيقي. ومن ثم فإن العلاقة بينهما ليست علاقة تماثل، بل علاقة اختلاف نوعي بين نمطين متباينين من “الاشتغال”: أحدهما إدراكي-تأويلي، والآخر حسابي-إجرائي.

والشيء بالشيء يذكر، لذا يجب استحضار الدلالة الخاصة للمصطلح نفسه Intelligence، لتقريب الفهم، في الحقول الأمنية والاستخباراتية، حيث لا يُفهم بوصفه “ذكاءً” بالمعنى الذهني أو المعرفي الطبيعي، بل بوصفه معلومات مُعالجة ومحلَّلة تُستخلص من معطيات أولية خامة (Raw Data) عبر مراحل متتالية من الجمع والفرز والتقييم والتأويل. ففي هذا السياق تشير كلمة Intelligence إلى ناتج عملية مؤسساتية مركّبة، تشارك فيها فرق متعددة التخصصات، وتخضع لمنهجيات دقيقة في التحليل والاستنتاج. تماما كما هو الحال في موضوعنا هذا، ومن ثمّ فإن “الذكاء” هنا لا يُنسب إلى كيان مفرد، بل إلى سيرورة جماعية لإنتاج المعرفة. وإذا.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 6 ساعات
منذ ساعتين
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 دقائق
جريدة تيليغراف المغربية منذ 9 ساعات
موقع بالواضح منذ 15 ساعة
موقع بالواضح منذ 8 ساعات
2M.ma منذ 19 ساعة
بلادنا 24 منذ 13 ساعة
Le12.ma منذ 18 ساعة
هسبريس منذ 17 ساعة
موقع طنجة نيوز منذ 14 ساعة