حذّرت منظمات إنسانية من أن التقلبات الحادة في أسعار النفط العالمية، الناتجة عن التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، بدأت تنعكس سلبًا على الفئات الأكثر هشاشة، عبر تعطيل أو تأخير وصول المساعدات الغذائية والطبية.
دعوات لإنشاء ممر إنساني في هرمز ووفقًا لصحيفة "الجارديان" دعت منظمات الإغاثة إلى إنشاء ممر إنساني عبر مضيق هرمز، في ظل الارتفاع الكبير في تكاليف النقل وصعوبات سلاسل الإمداد. وقال بوب كيتشن، نائب رئيس قسم الطوارئ في لجنة الإنقاذ الدولية، إن هناك حاجة إلى "محادثات عاجلة وجادة" لضمان تدفق المساعدات الإنسانية، بما يسمح بإيصال الإمدادات العالقة في المراكز اللوجستية وإعادة توزيعها إلى المناطق المتضررة.
وأوضح أن اضطرابات الشحن تسببت في تعطيل وصول أدوية وإمدادات حيوية، بينها شحنة بقيمة 130 ألف دولار كانت مخصصة لنحو 20 ألف شخص في السودان، لكنها ما تزال عالقة في دبي.
وأضاف أن قيود الوقود في دول مثل نيجيريا وإثيوبيا أجبرت بعض المرافق الصحية على تقليص استخدام المولدات الكهربائية، ما يهدد استمرارية الخدمات الطبية الأساسية. وأشار إلى أن وكالات الإغاثة تواجه ضغوطًا مالية متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود والنقل، ما يهدد قدرتها على مواصلة العمليات الإنسانية في عدد من دول أفريقيا جنوب الصحراء.
ومن جانبها، قالت سيسيل تيراز، مديرة الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، إن ارتفاع أسعار النفط ينعكس بشكل مباشر على حياة السكان وعلى عمليات الإغاثة الإنسانية، مؤكدة أن التأثير "مؤكد بنسبة 100%".
وأوضحت أن أسواق النفط شهدت تقلبات حادة منذ بدء النزاع في فبراير، حيث ارتفعت الأسعار إلى نحو 120 دولارًا للبرميل بعد أن كانت قرابة 60 دولارًا في بداية العام، في ظل الاضطرابات المتكررة في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز نتيجة التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران.
وأشارت إلى أن القيود المفروضة على حركة الشحن في هذا الممر البحري الضيق، الذي لا يتجاوز عرضه 5 كيلومترات، انعكست على الإمدادات العالمية من النفط والغذاء والأسمدة والأدوية، ما ساهم في ارتفاع أسعارها عالميًا، فيما تستقر أسعار النفط حاليًا عند مستويات تقارب 111 دولارًا للبرميل.
وأضافت أن وكالات الإغاثة الكبرى تأثرت بشكل ملحوظ، في ظل استمرار الضغوط التمويلية من الولايات المتحدة وأوروبا، موضحة أن العديد من هذه المنظمات تعتمد على سلاسل إمداد تنطلق من مراكز في الهند ودبي لتوفير الغذاء والأدوية للمجتمعات المحتاجة، خصوصًا في أفريقيا، وهو ما أصبح أكثر كلفة وتعقيدًا في ظل الوضع الحالي.
تداعيات ارتفاع النفط على الإغاثة العالمية كشفت تقديرات منظمة "أنقذوا الأطفال" أن أي زيادة قدرها 5 دولارات في سعر برميل النفط تؤدي إلى ارتفاع إضافي في تكاليف المنظمة بنحو 340 ألف دولار شهريًا، تشمل الشحن والوقود والغذاء والإمدادات الطبية، مقارنة بالميزانية المعتمدة في بداية العام.
وأوضح مدير الإمداد العالمي في المنظمة، ويليم زويديما، أن هذا المبلغ يعادل شهرًا كاملًا من المساعدات لنحو 40 ألف طفل، مشيرًا إلى أنه في حال استقرار أسعار النفط عند حدود 100 دولار للبرميل خلال عام 2026، فإن ذلك سيضيف نحو 27 مليون دولار إلى تكاليف المنظمة السنوية.
وحذّرت تقديرات برنامج الأغذية العالمي من أن الاضطرابات الراهنة قد تدفع نحو 45 مليون شخص إضافي إلى دائرة الجوع، إلى جانب 318 مليون شخص كانوا يعانون أصلًا من انعدام الأمن الغذائي قبل تصاعد التوترات في فبراير.
وقال زويديما إن منظمات الإغاثة تواجه ضغوطًا مزدوجة، تتمثل في تراجع موازنات المساعدات من جهة، وارتفاع تكاليف الشحن والإمدادات من جهة أخرى، ما ينعكس مباشرة على حجم المساعدات المقدمة.
وفي هذا السياق، خفّضت الولايات المتحدة مساعداتها الخارجية بنسبة 57% خلال عام 2025، فيما سجلت مساعدات المملكة المتحدة أدنى مستوياتها منذ عام 2008، إلى جانب تقليصات مماثلة في ميزانيات النرويج وألمانيا وفرنسا.
وفي اليمن، أشارت تقديرات "أنقذوا الأطفال" إلى ارتفاع تكاليف شحن البضائع بنحو 20% نتيجة زيادة أسعار الوقود، بالتوازي مع ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 30%، في بلد يعتمد فيه نحو نصف السكان على المساعدات الإنسانية بعد أكثر من عقد من الصراع.
أما في الصومال، فأوضحت روبين سافاج، مديرة الشؤون الإنسانية في منظمة كير، أن تكلفة استيراد أدوية علاج سوء التغذية الحاد لدى الأطفال ارتفعت ثلاثة أضعاف منذ بدء الأزمة، ما قلّص القدرة على علاج الحالات المتضررة.
ووفقاً لبرنامج الأغذية العالمي، فإن البلاد التي تعاني من جفاف حاد، شهدت ارتفاعًا في أسعار الغذاء الأساسي بنحو 20% نتيجة زيادة تكاليف الوقود والنقل.
كما ارتفعت كلفة سلة السلع الأساسية في ميانمار بنسبة 19%، فيما أكد جون أيليف، المدير القطري لبرنامج الأغذية العالمي في أفغانستان، أن تكلفة إدخال الغذاء إلى البلاد تضاعفت ثلاث مرات بسبب طبيعتها غير الساحلية.
وقال أيليف، إن برنامج الأغذية العالمي يعتمد حاليًا على نقل إمدادات البسكويت المدعّم برًا عبر سبع دول انطلاقًا من دبي وصولًا إلى أفغانستان، بدلًا من المسار البحري التقليدي عبر مضيق هرمز، وهو ما يضيف نحو ثلاثة أسابيع إلى زمن التسليم.
وأوضح أن هذا التحول في مسارات الشحن ينعكس مباشرة على وصول المساعدات، مضيفًا أن أطفال أفغانستان يدفعون ثمن هذا التأخير بالجوع، مشيراً إلى أن العديد منهم قد يموتون.
أزمة النفط تعرقل وصول المساعدات عالميًا قال متحدث باسم برنامج الأغذية العالمي، أكبر منظمة إنسانية تابعة للأمم المتحدة، في تصريحات لصحيفة الغارديان، إن المنظمة تقدر أن ارتفاع أسعار النفط سيمنع وصول المساعدات إلى نحو 1.5 مليون شخص حول العالم خلال الأشهر المقبلة.
وأوضح أن البرنامج يعيد توجيه نحو 93 ألف طن من المواد الغذائية، بما في ذلك البسكويت المدعم والمكملات الغذائية المخصصة لحالات الطوارئ، إلى مناطق تحتاج استجابة عاجلة مثل اللاجئين الفارين من حرب السودان، ما يؤدي إلى زيادة التكاليف وتأخير عمليات التوزيع.
وأضاف المتحدث، أن التحديات لا تقتصر على السفن العابرة لمضيق هرمز فقط، بل تمتد إلى حالة ازدحام بحري واسع تؤثر على حركة الشحن في المنطقة بأكملها.
وأشار إلى أن مسارات الإمداد التقليدية من الهند عبر بحر العرب ومضيق باب المندب وصولًا إلى بورتسودان تم تغييرها بسبب المخاطر، لتسلك طرقًا أطول عبر رأس الرجاء الصالح والبحر المتوسط وقناة السويس، ما يضيف نحو 9000 كيلومتر وعدة أسابيع إلى زمن الرحلة.
وفي سياق متصل، أشار مسؤولون في منظمات إغاثية إلى أن نقص الوقود والأسمدة في دول مثل السودان وباكستان وكمبوديا وبنغلاديش وإثيوبيا يهدد الموسم الزراعي، ما قد يؤدي إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي، في ظل اعتماد جزء كبير من الإمدادات العالمية على طرق الشحن عبر المضائق الحيوية.
وحذّرت تقارير إنسانية من أن آثار الأزمة قد تستمر حتى بعد أي تهدئة، مع بقاء تداعياتها لعدة أشهر، وفق ما أكده خبراء في المجال الإنساني.
هذا المحتوى مقدم من العلم
