هذا ليس تقديما؛ فاشتباكات “النغم والصمم” لا تحتاج إلى تقديم. وغاية هذه السطور ليست أكثر من تحية صديق عزيز وكاتب استثنائي اختار، منذ ثمانينيات القرن الماضي، أن يكتب انطلاقا من عزلته الأبدية، وقضى على نفسه ألا يشارك في تظاهرة أو فعالية، يقينا منه أن نشرَ كتُبه هو السبيل الوحيد لإسماع صوته الهادئ، وصمته المرتفع. إن اشتباكات سعد سرحان، كما نصوصه الشعرية البديعة، هي فضاء حضوره الاضطراري الوحيد في الساحة الثقافية التي ظلت فعالياتها شاهدة على غيابه الاختياري المزمن. فهذا الرجل لا يُرى لا في مهمة ثقافية ولا في مُلِمة أدبية… وكأنه بذلك ينتمي إلى زمننا المغربي الحديث، لا إلى مكانه.
على مدى ثلاثة عقود ويزيد، شكلت كتابات سعد سرحان كوة ضوءٍ لا يخبو في سماء الثقافة المغربية المعاصرة. وهذا هو كتابه الثالث عشر، الذي يُتوِج مسارا أدبيا بدأ بـ”حصاد الجذور” سنة 1994، وامتد حتى “دفتر الأسماء” و”برج الغبراء” سنة 2025، مسارا رَاكم خلاله منجزا أدبيا توزع بين الشعر والنثر، “بعيدا عن الضوضاء قريبا من السكات”، بلغة محمد برادة.
وعبر هذه الكتابات، ظل سعد سرحان نموذج المثقف الشاهد على عصره، بحداثة فكره وبلاغة أسلوبه ومتانة معرفته.
**
ينتمي سعد سرحان إلى الرعيل الجديد من كُتّاب العمود الصحافي، ذلك الجنس الإعلامي الراقي الذي يجمع بين المادة الصحافية والمادة التاريخية والفكرية؛ فهو تأملٌ في الأحداث، وقراءة في ما وراء الخبر. إلا أنه لم يكتب من موقعه في رئاسة تحريرٍ أو إدارة منبر، على نحو ما فعل آخرون؛ بل كتب من موقع أكثر تحررا، بعيدا عن إكراهات الخط التحريري ومواضعاته. فهو شاعر ليس بإعلامي، وكاتب ليس بصحافي، ينتقل من مستوى الإخبار إلى عمق التحليل فَرحابةِ التأويل، ومن المحتوى إلى التصور، كما يقول علماء الدلالة.
***
في “النغم والصمم”، تتجاور القصص والمقالات والنصوص والآراء والمحكيات، في أراضٍ تتسع حسب المسعى أو تضيق حسب المُقتضى؛ لكنها جميعا تُسفر، إثر كل قراءة، عن مزيد من عروق الأدب.
ولما كان الكتاب عبارة عن اشتباكات، فقد خاض سعد سرحان معاركه النصية بكامل عُدّته؛ بل بروحه ووجدانه وجسده، موظفا أطرافه الكتابية على أكمل وجه: يده تُصوب ولسانه يُحاج وعقله يحتمي بالحجة الدامغة. فإذا احتاج إلى بيت شعري صاغه، وإذا افتقدَ عبارة بليغة سكها كما يُسك الدرهم، وإذا أعوزَهُ شاهدٌ من الأثر استنْطَقه؛ أما إذا كان بهذا الموضوع أو ذاك مَسٌ من العلم، رياضياتٍ أو كيمياء أو بيولوجيا، ففي كنانة الرجل من قاموسها ما يفي بالسداد. فهو لا يشتبكُ من دون عُدّة؛ بل يفعل مُعتدا بترسانة ناجعة: عمق الذاكرة، دقة الملاحظة، قوة الحجاج، تنوع المقروء، وحدة الحواس.
أما الذخيرة الخُلبية فهي تلك السخرية التي بلون المطاط، سخرية تنحني تحت وطأة المأساة؛ لكنها سرعان ما ترتد لتصفع الواقع بقسوة مدروسة.
***
لم يكتفِ سعد سرحان في هذا الكتاب بتحيين السلف عبر استدعاء أعلام التراث كالجاحظ والمعري وابن مرزبان ومعاذة العنبرية، وإنما عمد أيضا إلى تحيين ذاته، عبر استعادة الطفل الذي كانَهُ،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
