كيف يمكن لحوارٍ واحد أن يختصر كل هذا التوتر بين الصورة والمعنى، بين الشغف الأولي الذي يولد في عتمة قاعة سينما، وبين الوعي النقدي الذي يتشكل ببطء داخل مختبر الفكر؟ ومن أي لحظة تبدأ الحكاية حقاً؟ أهي تلك النظرة الأولى التي تلتقطها العين بدهشة، أم ذلك السؤال الذي لا يغادر الذهن بعد انطفاء الشاشة؟ وفي هذا الحوار مع محمد فاتي، على صفحات جريدة “هسبريس”، لا نقرأ سيرة ناقد، ولكن نصغي إلى مسارٍ يتقاطع فيه الذاتي بالمعرفي، والتجربة الحية بالتأمل النظري، كما لو أن السينما لم تكن اختياراً عابراً، وإنما قدراً تشكل عبر تراكم الصور والأسئلة.
وفي هذا الأفق، يصبح النقد السينمائي أكثر من مجرد ممارسة تحليلية، إنه فعل مقاومة ضد التبسيط، ضد الرداءة، ضد الصمت الذي يغلف الاختلالات. وهو بحث دائم عن المعنى في زمن السرعة، ومحاولة لاستعادة عمق التجربة الجمالية في مواجهة الاستهلاك السريع للصورة. وهنا تتسلل الأسئلة بهدوء، لكنها تترك أثرها العميق، كأنها تدعونا إلى إعادة النظر في علاقتنا بالسينما، وبأنفسنا أيضاً.
ولا يقدم هذا الحوار على “هسبريس” أجوبة مرتبة، ولكنه يضع مساحة تفكير مفتوحة، نصاً يتنفس قلقه الخاص، ويقترح علينا أن نقرأ السينما لا بما تظهره فقط، ولكن بما تخفيه من صور مستترة ومن حكايا مشبعة بروح القراءات والتأويل والبحث عن الحقيقة.
نص الحوار:
رحلتك في النقد السينمائي لم تأتِ من فراغ. ما اللحظة المفصلية التي جعلتك تختار الصورة بدل النص الأدبي، والسينما بدل باقي الفنون؟ هل كان اختياراً جمالياً أم موقفاً فكرياً من واقع ثقافي معين؟
يرجع اهتمامي بالسينما إلى مرحلة الدراسة الثانوية، حيث تشكّل لديّ منذ ذلك الحين شغف واضح بهذا الفن، تجلى في حرصي المنتظم على حضور فعاليات مهرجان مرتيل السينمائي ومهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط. وقد أتاح لي ذلك فرصة مشاهدة عدد كبير من الأعمال السينمائية، فضلاً عن اللقاء ببعض رموز السينما العربية، من قبيل نور الشريف، وإلهام شاهين، ورشيد الوالي، ومحمد مفتاح، ومحمد بسطاوي، ومحمد خيي، وهي لقاءات أسهمت في تعميق هذا الاهتمام وتعزيز ارتباطي بهذا المجال.
أما على المستوى الأكاديمي، فقد كان اللقاء الأول مع السينما في إطار علمي بتوجيه من أستاذي الراحل، الدكتور حميد المرابط، رحمه الله، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمرتيل، الذي وجّهني نحو استثمار هذا الشغف في البحث العلمي، من خلال الربط بين النص السينمائي والنص الأدبي، ولا سيما الرواية. وقد تجسد ذلك في بحث الماستر، ثم تعزز لاحقاً في بحث الدكتوراه تحت إشرافه، حيث استفدت من توجيهاته الأكاديمية وإرشاداته الفكرية ونصائحه المنهجية.
وفيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال، فإن اهتمامي لم يكن قائماً على المفاضلة بين الصورة السينمائية والنص الأدبي أو استبعاد أحدهما لصالح الآخر، بل انصبّ أساساً على دراسة العلاقة التكاملية بينهما، من خلال المقاربة المقارنة لعناصرهما التخييلية والفنية. ويظهر هذا التوجه بوضوح في مجمل أبحاثي المتواضعة، التي تندرج ضمن حقل الدراسات المقارنة بين الأدب والسينما، وهو اختيار لا يقتصر على بعده الجمالي فحسب، بل ينطوي أيضاً على موقف فكري، يهدف إلى إبراز أهمية الصورة في العصر الراهن، ودورها المحوري في تشكيل الوعي وتوجيه الرأي العام، فضلاً عن إسهامها في بناء المنظومات القيمية والفكرية داخل المجتمعات. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن السينما أضحت اليوم فاعلاً ثقافياً وإيديولوجياً مؤثراً، يؤدي دوراً بارزاً في صياغة وعي الشعوب وتوجيه تمثلاتها.
في كتاباتك نلمس انحيازاً واضحاً لسؤال الهوية في السينما المغربية. هل ترى أن السينما المغربية ما تزال تبحث عن هويتها، أم أننا نبالغ في طرح هذا السؤال وكأنه قدر أبدي لهذه السينما؟
أعتقد فعلاً أن هناك أزمة سينمائية مغربية في تعاملها مع سؤال الهوية، وليس مجرد مبالغة نقدية في طرح هذا الموضوع. فحين نتأمل عدداً كبيراً من الإنتاجات السينمائية المغربية، نجد أن الهوية لا تُطرح باعتبارها وعياً ثقافياً وحضارياً يُبنى عليه العمل الفني، بل غالباً ما تظهر بشكل مرتبك أو هامشي أو حتى متناقض مع السياق الثقافي الذي تنتمي إليه. لذلك يبدو أن السينما المغربية، رغم تطورها التقني وتزايد إنتاجاتها، ما تزال إلى حد كبير تبحث عن صيغة واضحة للتعبير عن ذاتها الثقافية والحضارية.
فالسينما، شئنا أم أبينا، ليست مجرد وسيلة ترفيه أو حكاية بصرية محايدة، بل هي في العمق نقالة للإيديولوجيا بالقوة والفعل، ولو أحياناً بطريقة غير مباشرة لا شعورية. كل فيلم يحمل رؤية معينة للعالم، ويعيد تشكيل القيم والتصورات داخل المجتمع أو خارجه. ومن هنا تصبح مسألة الهوية في السينما مسألة جوهرية، لأن الصورة السينمائية تساهم في بناء تمثلات الناس عن أنفسهم وعن ثقافتهم وتاريخهم.
ومن هذا المنطلق، كان من الممكن أن يوظف المخرجون المغاربة السينما للتعبير عن الإيديولوجية المحلية وعن الهوية الثقافية المغربية في امتداداتها العربية والإسلامية، بما تحمله من قيم وتاريخ ورموز حضارية غنية. غير أن ما نلاحظه أحياناً هو نوع من الانبهار بالثقافة الغربية، أو الميل إلى تقليد نماذج سردية وجمالية مستوردة، دون إعادة صياغتها داخل السياق الثقافي المغربي.
وإذا أخذنا السينما الأمريكية مثالاً، نجد أنها تمثل نموذجاً واضحاً لكيفية توظيف الفن السابع لخدمة رؤية حضارية وإيديولوجية معينة. فاستوديوهات هوليود لا تكتفي بصناعة الترفيه، بل تساهم بمليارات الدولارات في نشر الإيديولوجيات الغربية/ الرأسمالية/ الصهيونية… وتكريس منظومة قيمها للعالم عبر الصورة السينمائية. وهذا ما جعل السينما الأمريكية قوة ثقافية ناعمة تؤثر في المخيال العالمي.
انطلاقاً من ذلك، يطرح السؤال نفسه: لماذا لا تسعى السينما المغربية بدورها إلى أن تكون مدافعة عن هويتها، وناشرة لقيمها وثقافتها وحضارتها (على غرار تعامل المخرج الكبير مصطفى العقاد مع التراث التاريخي والديني في أفلامه التي وصلت للعالمية مثلاً)؟ فالمطلوب ليس الانغلاق أو رفض التأثيرات الخارجية، لأن السينما بطبيعتها فن كوني يتفاعل مع التجارب المختلفة، ولكن المطلوب هو أن يتم هذا التفاعل من موقع وعي بالذات الثقافية، لا من موقع التبعية أو التقليد الأعمى.
ولعل أحد أسباب هذا الإشكال يعود أيضاً إلى الخلفيات التكوينية لبعض المخرجين المغاربة، إذ إن عدداً منهم تلقى تكوينه في فضاءات ثقافية فرنكفونية، وهو ما ينعكس أحياناً على طرق المعالجة الفكرية والجمالية للقضايا المغربية، حيث تُطرح موضوعات محلية لكن بمنظورات وأساليب متأثرة بمرجعيات ثقافية خارجية. وهنا لا تكمن المشكلة في التكوين ذاته، بل في غياب عملية تبيئة حقيقية لهذه المرجعيات داخل السياق الثقافي المغربي.
لذلك يمكن القول إن سؤال الهوية في السينما المغربية ليس قدراً أبدياً بقدر ما هو مرحلة من مراحل تشكل هذه السينما. غير أن تجاوز هذه الأزمة يقتضي وعياً نقدياً لدى المبدعين بضرورة استثمار السينما كأداة ثقافية وحضارية، قادرة على التعبير عن الذات المغربية بكل تعقيداتها وثرائها، دون انبهار مفرط بالآخر ودون انغلاق في الوقت نفسه.
تُتهم السينما المغربية أحياناً بأنها “سينما مهرجانات” أكثر منها سينما جمهور. هل تعتقد أن هذا الوصف عادل؟ أم أن المشكلة أعمق وتتعلق ببنية الإنتاج والتلقي والنقد معاً؟
يمكن مقاربة سؤال أزمة السينما المغربية من زاوية مركبة، بعيداً عن التبسيط أو اختزال الإشكال في عامل واحد. فالأزمة – في تقديري – نتاج تداخل عدة عناصر بنيوية وفكرية وفنية.
أول هذه العوامل يتمثل في ضعف الكتابة السينمائية وتواضع النصوص. فالمشكل في كثير من الأحيان لا يرتبط بالإخراج أو التقنيات، بقدر ما يبدأ من مرحلة السيناريو. هناك فقر في البناء الدرامي، وغياب لعمق الشخصيات، وضعف في الحبكة، مما يجعل عدداً من الأعمال غير قادرة على شدّ الجمهور أو إقناعه. السينما في جوهرها حكاية تُروى بإتقان، وإذا اختلّ الأساس السردي، تعثّر العمل كله مهما كانت الإمكانات التقنية.
العامل الثاني ذو طابع فكري وثقافي، ويتعلق بهيمنة لوبي تغريبي تلقّى تكوينه السينمائي في أوروبا، خصوصاً في الفضاء الفرانكفوني، ثم حاول نقل تصورات أيديولوجية متأثرة بتلك البيئة إلى السياق المغربي دون مراعاة الفوارق الحضارية والثقافية والاجتماعية. لا أحد يعترض على الانفتاح أو الاستفادة من التجارب العالمية، لكن الإشكال يبرز حين تتحول هذه المرجعيات إلى قوالب جاهزة تُفرض على واقع مختلف. وهنا نشأت فجوة واضحة بين الجمهور المغربي وما يُقدَّم له سينمائياً؛ إذ غلب على بعض الأعمال هاجس الطرح الأيديولوجي على حساب البعد الفني والجمالي، فأصبحت الرسالة أسبق من الحكاية، والخطاب أسبق من الإبداع.
التيار الفرانكفوني تحديداً حاول في حالات عديدة تبيئة مفاهيم ورؤى نشأت في سياقات ثقافية مغايرة، من دون إعادة صياغتها بما ينسجم مع الخصوصية المغربية. فبدل أن تكون السينما مرآة للهوية بتعدد روافدها، تحولت أحياناً إلى أداة صراع رمزي مع تلك الهوية، ما عمّق الإحساس بالاغتراب لدى فئات واسعة من الجمهور.
ثم تأتي أزمة الإنتاج، وهي لا تقل خطورة. إذ يُلاحظ هيمنة لوبيات معينة على إنتاج أهم الأعمال السينمائية، مستفيدة من محاباة بعض الجهات المسؤولة عن دعم الفيلم المغربي، وفي مقدمتها المركز السينمائي المغربي. هذا الاحتكار غير المعلن يضيّق الخناق على الطاقات الشابة والمشاريع المختلفة، ويجعل الدعم العمومي يدور في فلك أسماء بعينها، ما يكرّس نمطاً واحداً من الرؤية والطرح ويمنع التنوع الحقيقي.
إن اجتماع ضعف النص، وهيمنة توجه أيديولوجي مستورد غير متصالح مع البيئة المحلية، إضافة إلى اختلالات منظومة الدعم والإنتاج، كلها عوامل ساهمت في تعميق أزمة الثقة بين السينما المغربية وجمهورها. والحل لا يكمن في القطيعة مع العالم، بل في إعادة الاعتبار للكتابة الجيدة، وتحرير الدعم من منطق الشبكات المغلقة، وبناء مشروع سينمائي ينطلق من الهوية المغربية بتعددها، ويتوجه إلى الإنسان أولاً بوصفه متلقياً للفن لا موضوعاً لإعادة التشكيل الأيديولوجي.
كيف تعرّف مفهومك للنقد السينمائي؟ هل هو تفكيك جمالي للنص الفيلمي، أم مساءلة أيديولوجية للخطاب، أم كتابة إبداعية موازية للفيلم؟ وأين تضع نفسك بين هذه الاتجاهات؟
أتصوّر أن النقد السينمائي الحقيقي لا يمكن اختزاله في بعد واحد. فهو ليس مجرد تفكيك جمالي بارد لبنية الصورة، ولا هو فقط مساءلة أيديولوجية للخطاب، كما أنه ليس كتابة أدبية موازية تستعرض بلاغة الناقد أكثر مما تضيء الفيلم. في نظري، النقد ممارسة مركبة تستلزم الجمع بين هذه الأبعاد جميعاً ضمن رؤية منهجية متوازنة.
أولاً، هناك المستوى الفني والجمالي، وهو الأساس. فالنقد يبدأ من داخل النص الفيلمي: من اللغة البصرية، بناء اللقطات، حركة الكاميرا، الإيقاع، المونتاج، إدارة الممثلين، الموسيقى، وتشكيل الفضاء الدرامي. هنا يشتغل الناقد على تفكيك البنية السردية والبصرية، وعلى فهم كيفية إنتاج المعنى عبر الصورة والصوت. دون هذا الاشتغال التقني والجمالي، يتحول النقد إلى انطباعية أو خطاب عام لا يستند إلى أدوات تحليلية دقيقة.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن السينما – شئنا أم أبينا – نقالة للأيديولوجيا بالقوة والفعل. لا وجود لفيلم لا يعكس رؤية ما للعالم، سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية أو ثقافية أو فكرية. حتى أكثر الأفلام ادعاءً للحياد تحمل في عمقها تصوراً معيناً للإنسان والسلطة والقيم والعلاقات. لذلك فإن مساءلة الخطابات المتوارية خلف الشكل الجمالي ليست ترفاً نقدياً، بل ضرورة معرفية. الصورة ليست بريئة، والجمال ليس معزولاً عن السياق.
من هنا أضع نفسي في منطقة التوازن بين التفكيك الجمالي والتحليل الأيديولوجي. أؤمن بأن الشكل ليس مجرد وعاء، بل هو جزء من المضمون، وأن الأيديولوجيا لا تُقرأ خارج البنية الجمالية التي تُمرَّر عبرها.
باختصار، النقد من وجهة نظري هو ممارسة فكرية وجمالية في آن واحد: دراسة دقيقة لأدوات التعبير السينمائي، مع وعي يقظ بأن كل اختيار جمالي يخفي خلفه تصوراً أيديولوجياً ما. الجمع بين المستويين هو ما يمنح النقد عمقه وصدقيته، ويجعله قادراً على مساءلة الصورة دون أن يفقد حساسيته الفنية.
هناك من يرى أن النقد السينمائي في المغرب يعيش أزمة جرأة، وأنه أصبح أقرب إلى المجاملة الثقافية منه إلى المواجهة الفكرية. هل توافق هذا الطرح؟ وأين تقف أنت من هذه المعادلة؟
سؤال أزمة الجرأة في النقد السينمائي بالمغرب سؤال وجيه،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
