بنية الإنسان من الجانب النفسي

يقول الحق سبحانه في سورة الشمس: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)

سأحصر الكلام في معرفة النفس الإنسانية في ثلاثة مستويات: مستوى طرق البحث في حقيقة النفس، ومستوى مفهوم النفس عند الفلاسفة، ثم مفهوم النفس عند علماء النفس.

بالنسبة للمستوى الأول، يلاحظ من البداية أن الفلسفات والأديان والعلوم قد اتفقت على أن معرفة الإنسان نفسه غاية سامية، ثم اختلفوا بعد ذلك في الطريق الذي يجب أن يسلكوه إلى تلك المعرفة.

طريق الاستبطان

فقال أصحاب الفلسفة الميتافيزيقية: لا طريق إلى ذلك إلا بالاستبطان، ويقصدون بالاستبطان كطريقة للبحث تأمل الفرد ما يجري داخل نفسه التي يستبطن ما يدور فيها من عمليات شعورية، أو بتعبير آخر: إن ما يقصد بمنهج الاستبطان دراسة الإنسان لمشاعره بنفسه عن طريق تأمل ذاته، ومشاهدة ما يدور داخلها.

لتوضيح ذلك نسوق هذا المثال: إن عالم النفس الإنجليزي (هنري هيد) بمساعدة عالم فيسيولوجي آخر، قد قطع الأعصاب في يده اليسرى، وأخذ يسجل بيده اليمنى ما ترتب على ذلك من مشاعر داخلية.

غير أن العلماء رأوا أن هذه الطريقة لا تحظى بالاحترام كطريقة علمية، لأسباب: أولها، أن الناس يختلفون في قدراتهم على القيام بالتأمل الباطني. وثانيها، أن الفرد ليس في استطاعته في حالات كثيرة أن يدرس نفسه بنفسه، وخاصة في حالات الانفعال الحادة، لأن التفكير سيؤثر على حالة الانفعال. كذلك فإن الشخص صاحب التجربة الشعورية لا يستطيع الوصف الدقيق أو المعرفة المباشرة لحياته الشعورية، ولا يستطيع كذلك أن يلقي ضوءً كاشفًا على العمليات العقلية المعقدة، كالتذكر والتفكر والفهم؛ فكما أن التكوين الذري للمادة لا يمكن رؤيته بالعين المجردة، كذلك فإن ديناميكية العمليات النفسية لا يمكن أن ترى بالنظر أو التأمل الداخلي. وثالثها، أن هذا المنهج لا يمكن تطبيقه على الحيوانات والأطفال والأفراد الشواذ، مع العلم أن ما لا نستطيع أن نجريه على الإنسان يجب أن نجريه على الحيوانات، كما أن الأطفال والشواذ فئتان يهتم بهما علم النفس، ولا يمكن أن يعتمد عليهما في الحصول على معلومات خاصة بهما من طريق منهج الاستبطان.

طريقة التجربة

ومن ثم نجدهم قد عدلوا عن هذه الطريق إلى طرق أخرى، أهمها على الإطلاق الطريقة التجريبية التي تعتبر عندهم “أكثر الوسائل كفاية في الوصول إلى معرفة موضوعية”.

بدأت الطريقة التجريبية في علم النفس منذ القرن التاسع عشر في ألمانيا، حيث أنشأ (فونت) أول معمل لعلم النفس عام 1879، ومنذ ذلك “بدأ علم النفس يأخذ مكانه بجوار العلوم الطبيعية، بأخذه منهجًا في دراسة السلوك دراسة تجريبية تلتزم بخطوات المنهج العلمي” التي يمكن تلخيصها في الآتي: الملاحظة وتحديد المشكلة موضوع البحث، ثم فرض الفروض، ثم تجميع المعلومات التي تولدت من فرض الفروض، ثم اختبار صحة تلك المعلومات أو الفروض بإجراء التجارب عليها، ثم أخيرًا مرحلة اكتشاف النظرية أو وضع القانون الذي يحكم الظاهرة.

ومن التجارب التي قام بها علماء النفس، تلك التي “أراد عالم نفس أن يعرف أيهما أفضل: معرفة نتيجة العمل بعد أدائه مباشرة، أو تأجيل هذه المعرفة إلى بعد الانتهاء من العمل كله؟ فجاء بثلاث مجموعات من الأفراد، وحجب عيونهم، وطلب منهم رسم خطوط مستقيمة، طول كل منها ثلاث بوصات. وقد ترك المجموعة الأولى في محاولاتها دون أي معلومات عن نتيجة عملها. أما المجموعة الثانية فقد كانت تعرف نتيجة عملها بشكل عام بعد كل محاولة، وكانت المجموعة الثالثة تعرف نتيجة عملها بعد كل حركة لكي تتلافى الخطأ في المحاولة التالية. وكانت النتيجة أن المجموعة الأولى فشلت تمامًا، أما المجموعة الثانية ففشلت إلى حد ما، أما المجموعة الثالثة فقد نجحت تمامًا. وتؤكد هذه التجربة على أهمية الإرشادات والتوجيهات في أداء الأعمال التي يطلب القيام بها، كما تؤكد أن عدم تحديد الموضوع وعدم التوجيه لا يؤدي إلا إلى الخبط والعشوائية وإلى عدم النمو والتقدم، إن لم يؤد إلى التأخر”.

مفهوم النفس عند الفلاسفة

هذا على مستوى طرق البحث، وأما على مستوى مفهوم النفس عند الفلاسفة، فالذي يظهر من أبحاثهم “أن للنفس تعريفات مختلفة:

منها قول أفلاطون: “إن النفس ليست بجسم، وإنما هي جوهر بسيط محرك للبدن”.

ومنها قول أرسطو: “إن النفس كمال أول لجسم طبيعي آلي”. فمعنى قوله “كمال أول”: إن النفس صورة الجسم، أو هي ما يكمل به النوع بالفعل. ومعنى قوله “آلي”: إن الجسم الطبيعي مؤلف من آلات أي أعضاء.

وقد جمع ابن سينا بين هذين التعريفين فقال مع أفلاطون: إن النفس جوهر روحاني، وقال مع أرسطو: إن النفس كمال أول طبيعي آلي من جهة ما يتولد ويربو ويغتذي (وهي النفس النباتية) أو من جهة ما يدرك الجزئيات ويتحرك بالإرادة (وهي النفس الحيوانية) ومن جهة ما يفعل الأفعال الكائنة بالاختيار الفكري والاستنباط بالرأي (وهي النفس الإنسانية).

وذكر آخرون أن الروح قسمان: روح حيواني ينبث في شرايين البدن من القلب، فيفعل الحياة والنبض والتنفس، وروح نفساني ينبث من الدماغ في الأعصاب، فيفعل الحس والحركة والفكر والذكر والروية.

في الفرق بين النفس والروح يذكر لُقْطَة بن لوقا في رسالة له: “أن الروح جسم والنفس غير جسم – وأن الروح يُحْوَى في البدن – وأن النفس لا يحويها البدن – وأن الروح إذا فارق البدن بطل، وأن النفس تبطل أفعالها من البدن ولا تبطل هي في ذاتها – وأن النفس تحرك البدن وتُنيله الحس والحياة بأنها أول علة لذلك البدن وفاعلة فيه، والروح يفعل ذلك وهو علة ثانية – فالروح إذن علة قريبة كحياة البدن وحسه وحركته وباقي أفعاله البعيدة”.

مفهوم النفس لدى علماء النفس

هذا عن النفس من منظور الفلاسفة، وأما عنها من منظور علماء النفس، فيبدو مما جاءوا به في أبحاثهم أن للنفس نشاطان: نشاط نفسي، ونشاط عقلي. وأن النشاط النفسي له مكونات هي: الوراثة والبيئة والدوافع أو الغرائز، ثم الانفعالات والعواطف. وكذلك هو النشاط العقلي، نجده يقوم على ركائز هي: الإحساس والإدراك والذاكرة واللغة والواقع الاجتماعي.

النشاط النفسي ومكوناته

يذكر هؤلاء العلماء: “أن الخصائص المميزة للحياة النفسية الإنسانية يكمن وراءها مكونان متناغمان: مكون داخلي وراثي يتمثل في المحددات البيولوجية، ومكون خارجي يتمثل في المحددات البيئية والثقافية”.

مكون الوراثة

ففي مكون الوراثة: نجد الوراثة تتحدد لأي شخص بالموروثات (أي الجينات)، بمعنى أن الفرد يبدأ وجوده الحياتي كخلية واحدة في رحم الأم، وأن هذه الخلية تتكون من اتحاد خليتين جرثوميتين: إحداهما من الأب والأخرى من الأم، كلاهما تكونان قبل الإخصاب غير مكتملتين، وبعملية الإخصاب يحصل تكميل إحداهما الأخرى في خلية واحدة لا يزيد حجمها عن حجم رأس الدبوس.

يحيط بالخلية المكتملة إطار يعرف بالسيتوبلازم، يمثل بيئة داخلية للخلية، له تأثير بالغ الأهمية على تكوين الجنين.

يوجد داخل الخلية “نواة” تتضمن ما يعرف بالصبغيات التي تتحكم في وراثة الكائن الحي، إذ داخل هذه الصبغيات تكمن وحدات أصغر تعرف بالموروثات (الجينات) التي هي الوحدات الأساسية للوراثة، أو العوامل الحاملة للخصائص الوراثية.

عدد الصبغيات 23 زوجًا أي 46 صبغيًا، أي أن الخلية الجرثومية المخصبة تتضمن 23 زوجًا من الأب بما مقداره 50% ومن الأم بما مقداره 50%. وتحتوي كل صبغية على ما يقرب من 3000 مورث، يكون مسؤولاً عن إحدى الخصائص الوراثية.

مكون البيئة

هذا عن مكون الوراثة كبعد داخلي، وأما عن مكون البيئة كبعد خارجي يمثل مظهر الكائن الحي وسلوكه، فتتجلى معالمه في: أنه ليس موروثًا، وأنه يتغير مع تغير الزمن كنتيجة للخبرة، وأنه ينمو كلما تواترت الحياة ووقع تفاعله مع البعد الداخلي. أي أن عملية النمو محكومة بالنمط الداخلي، ويتفاعل هذا النمط مع البيئة؛ فلا يوجد كائن حي بدون نمط داخلي، ولا يمكن أن يوجد نمط داخلي بدون بيئة.

يصف (هيوز 1946) هذه العلاقة بين الوراثة والبيئة على النحو التالي: “ليس هناك دليل على أن الوراثة أبلغ أهمية من الرعاية والبيئة، والمؤكد أنه ليس ثمة دليل على أنها أقل أهمية… ومن الخطأ الإقلال من دلالة أحد هذين العاملين لإثبات أهمية الآخر، فعدم وجود أحدهما يعني عدم قيام الحياة، إذ يوجد لكل منهما نتائجه بالنسبة للآخر، وهذه النتائج متنوعة ومتعددة بمقدار تنوع وتعدد أنواع الرعاية وصور الوراثة. والتربية ضرب من الرعاية تيسره البيئة التي يعيش فيها الفرد، أما الوراثة فتنحدر من أسلافه”.

وبذلك يتبين أن ما يجري على قانون التسوية والتزكية هو عينه ما يجري على مكون الوراثة والبيئة، والذين يرفعون من قيمة الوراثة على البيئة، أو البيئة على الوراثة، لم يفقهوا لا كنه الوراثة ولا كنه البيئة، وبعبارة أخرى لم يفقهوا كذلك قانون التسوية والتزكية الوارد في الآية التي صدرنا بها هذا البحث.

مكون الدوافع: الأولية والمكتسبة

والأمر مثله في مكون الدوافع أو الغرائز، إذ وجدنا علماء النفس يقسمونها إلى دوافع أولية بيولوجية أو غرائز فطرية، ودوافع ثانوية مكتسبة متعلمة. والدوافع الأولية تتضمن أساسًا تجنب الجوع والألم والحاجة إلى الإشباع الجنسي. ويميز علماء النفس بين الدوافع الأولية والدوافع الثانوية المكتسبة بنحو قولهم: إن الدوافع الأولية يمارسها الكائن دون تعلم، لأنه يولد مزودًا بها. أما الدوافع المكتسبة فمتعلمة من البيئة الاجتماعية التي يعيش الفرد فيها، والتعلم يحدث خلال الطفولة بواسطة عوامل منها الثواب والعقاب.

مكون الانفعالات والعواطف

كذلك هو الأمر بالنسبة لمكون الانفعالات والعواطف، حيث نجد الانفعالات لها علاقة بالدوافع الأولية، إذ يرى علماء النفس أن “أي دافع أساسي غالبًا ما ينطوي على شحنة انفعالية تقرن به”، وذلك كاقتران دافع الاقتتال بانفعال الغضب، واقتران دافع الهرب بانفعال الخوف… كما يرون من جهة علاقتها بالعواطف المكتسبة “أن العاطفة تنشأ من التجارب الانفعالية التي تولد فينا: إما شعورًا سارًّا أو مؤلمًا، وبتكرار هذه التجارب تتكون لدينا عادة وجدانية جديدة هي عاطفة الحب أو الكراهية”.

وبتعبير آخر إن “الطفل الصغير يبدأ في حب أمه بسبب ارتباطه بعملية إشباع الجوع عنده، وبتكرار هذا الموقف الانفعالي تتكون عاطفة حبه لأمه، ثم تتسع هذه العاطفة لتشمل بقية أفراد العائلة فالأقارب، ثم تزداد اتساعًا فتشمل أفراد الإنسان بصرف النظر عن جنسياتهم أو دياناتهم، وتلك أرقى درجات العاطفة”. ومعنى هذا أن الانفعالات لها بعدان: بعد داخلي يتمثل في علاقتها القوية بالدوافع البيولوجية، وبعد خارجي يتمثل في علاقتها بالعواطف التي تنشأ من التجارب الانفعالية.

النشاط الفكري وركائزه

هذا عن النشاط النفسي ومكوناته، وأما عن النشاط الفكري وركائزه التي يقوم عليها، فيبدو أن الحديث عنه سيتم أولاً.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 22 ساعة
هسبريس منذ 5 ساعات
آش نيوز منذ 13 ساعة
هسبريس منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 14 ساعة
هسبريس منذ 16 ساعة
وكالة الأنباء المغربية منذ 20 ساعة
أشطاري 24 منذ 7 ساعات