جيوسياسية النظام العالمي

الأمن كأفق للصراع ومحرّك لإعادة توزيع القوة

تضع المجتمعات السياسية أسس علاقتها بالعالم انطلاقاً من هاجس الأمن: فهي لا تكتفي بتحديده كغاية، بل تجعل منه شرطاً لوجودها. يقر هنري كسينجر النص بهذه الحقيقة حين يقول إن: “الأمن ظل الهدف الأدنى لأي مجتمع منظم (Henry Kissinger, The Age of AI, And Our Human Future) وهو قول يضعنا مباشرة أمام مفارقة جوهرية مؤداها أن كلما سعت الدول إلى تعزيز أمنها، ساهمت – بشكل أو بآخر – في إنتاج لا أمن الآخرين. ومن هنا تتولد دينامية الصراع التي تعيد تشكيل النظام الدولي باستمرار.

ينبغي فهم التحولات الراهنة في العالم – في سياق 2026 – باعتباره امتداداً تاريخياً لما يسميه الفكر الواقعي “معضلة الأمن”. يوضح Hans Morgenthau أن “السياسة الدولية، شأن كل سياسة، هي صراع من أجل القوة” (Hans Morgenthau, Politics Among Nations) . تُترجم هذه الفكرة اليوم في تصاعد التوترات بين القوى الكبرى، حيث تتداخل الحرب في أوكرانيا، والصراع في الشرق الأوسط، والتنافس الأمريكي – الصيني، لتُنتج مشهداً دولياً شديد التعقيد والسيولة.

الأمن كمنطق تاريخي لإنتاج القوة

منطلقنا أن المجتمعات “سعت إلى تحويل التقدم التكنولوجي إلى وسائل أكثر فعالية للمراقبة والاستعداد والهيمنة خارج الحدود” (Henry Kissinger, The Age of AI, And Our Human Future). ويعني ذلك أن التكنولوجيا ليست أداة محايدة، بل توجد في قلب استراتيجيات الهيمنة.

يدعم Michel Foucault هذا الطرح عندما يبين أن “السلطة الحديثة تمارس وجودها من خلال آليات المراقبة والانضباط” (Michel Foucault, Discipline and Punish). وذلك ما يتجسد اليوم تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، والأقمار الصناعية والحروب السيبرانية، حيث تنتقل المعركة من الجغرافيا التقليدية إلى البيانات.

تُعيد الولايات المتحدة، على سبيل المثال، توظيف هذه الأدوات للحفاظ على تفوقها الاستراتيجي، بينما تسعى الصين إلى بناء نموذج موازٍ عبر ما يسميه Graham Allison بـ”فخ ثيوسيديدس”، أي الصراع الحتمي بين قوة صاعدة وأخرى مهيمنة (Graham Allison, *Destined for War*, 2017).

النظام العالمي بين التفكك وإعادة التشكيل

يُظهر المشهد الدولي الراهن جنوحا واضحاً بعيدا عن النظام الأحادي القطبية الذي ساد بعد الحرب الباردة. يصف Zbigniew Brzezinski هذا التحول بقوله إن “الهيمنة العالمية تتطلب إدارة التوازنات الجيوسياسية الكبرى لا السيطرة المطلقة عليها” (Zbigniew Brzezinski, The Grand Chessboard).

لكن ما يحدث اليوم يتجاوز “الإدارة” نحو حالة من التفكك النسبي. فالحرب في أوكرانيا أعادت إحياء منطق التكتلات، بينما فجر الصراع في الشرق الأوسط توازنات هشة، خصوصاً مع تزايد التدخلات الإقليمية والدولية. وتُترجم هذه التحولات في تراجع فعالية المؤسسات متعددة الأطراف، وعلى رأسها الأمم المتحدة.

يُحذر Joseph Nye من هذا الانزلاق بقوله إن “القوة في القرن 21 لم تعد تُقاس بالقدرة العسكرية وحدها، بل بالقدرة على الجمع بين القوتين الصلبة والناعمة” (Joseph Nye, The Future of Power). غير أن ما نشهده اليوم في كل مناطق الصراعات الدولية هو نوع من العمى الدبلوماسي والفكري الاستراتيجي، حيث تغوُّل القوة الصلبة على حساب الدبلوماسية.

من هم المستفيدون؟

أ – الولايات المتحدة: إعادة التموضع لا الانسحاب.

أكبر مستفيد هي الولايات المتحدة من حالة الفوضى المنظمة حيث تعزز تحالفاتها ببيع السلاح وتفريغ مخزوناتها القديمة وتشغيل مصانعها بأكبر طاقة لها. كما تُعيد توجيه مواردها لاحتواء الصين، مستثمرةً في الصناعات الدفاعية والطاقة.

ب – الصين: صعود حذر.

تُراكم الصين مكاسبها عبر مبادرة “الحزام والطريق”، لكنها تتجنب المواجهة المباشرة. وتستفيد من انشغال الغرب بصراعات متعددة لتعزيز نفوذها الاقتصادي.

ج – روسيا: مكاسب تكتيكية وخسائر استراتيجية.

تحقق روسيا تقدماً عسكرياً نسبياً، لكنها تدفع كلفة اقتصادية وسياسية كبيرة. يصف George Kennan هذا النوع من السلوك السياسي بقوله إن “القوة التي تعتمد على التوسع العسكري دون شرعية دولية.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ ساعتين
جريدة كفى منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 20 ساعة
هسبريس منذ 13 ساعة
هسبريس منذ 16 ساعة
هسبريس منذ 19 ساعة
هسبريس منذ 15 ساعة
هسبريس منذ 5 ساعات
موقع بالواضح منذ 4 ساعات