يقول النبي صلى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيّات». وربما لا تقف حدود هذا الحديث الشريف عند أفعال الأفراد، بل تتسع لتشمل مصائر الأوطان، وهياكل الدول. فالنية التأسيسية لمن يحكم هي البوصلة الحقيقية التي تحدّد ما إذا كانت مقدرات الجغرافيا ستُسخّر لصناعة الحياة، أو ستُحرق في أفران الأيديولوجيا لبناء إمبراطوريات وهمية، تعيش على دماء مواطنيها.
في جولة استقصائية قادتني إليها لعبة عشوائية مع الذكاء الاصطناعي، هبط مؤشر البحث الرقمي في إحداثية نائية بمحافظة «هرمزجان»، في الجنوب الإيراني، عند عقدة مجهرية زراعية تُدعى «جاه جنار». هناك، كان السؤال الموجه لتقاطعات البيانات بسيطاً ومباشراً، لكنه يحمل تناقضاً فجّاً: لماذا يعيش الفلاح الذي يزرع ويقطف أغلى تمور العالم في بيت من الطابوق الأسمنتي العاري، أو تحت عريش متهالك بالقرب من مضخة مائه التي تصارع الجفاف، بينما تُباع ثمرة جهده في أسواق العالم بالدولار؟
القصة تبدأ بخدعة تحديث؛ حيث يقوم شباب من رواد الأعمال بتأسيس منصات تجارة إلكترونية، ويحتكرون محصول تمور «البيارم» بعقود مسبقة، لكسر احتكار الدلالين التقليديين. يغلفون التمر بعلب أنيقة، ويبيعونه بأسعار فلكية كـ«محتوى تسويقي». لكن، وكما تسخر الكوميديا السوداء في الشارع الإيراني: «إذا بنيت عشاً صغيراً بجهدك، سيأتيك نسرٌ حكومي ليقنعك بأن العش ملكه». سرعان ما تبتلع هؤلاء الشباب وصناديقهم الناشئة استثمارات تُعرف بـ«التمويل الجريء»، والتي هي في حقيقتها واجهات لبنوك خاصة عملاقة.
هنا تتلاشى القصة الزراعية الحالمة، وندخل في دهاليز الوحش المسمى بـ«الاقتصاد الخصولتي» (خصولتي). هذا المصطلح المنحوت من دمج كلمتي «خصوصي» (خاص) و«دولتي» (حكومي)، يمثل غابة مظلمة من الكيانات شبه الحكومية والشركات القابضة التي لا تدفع الضرائب.
ولكي تحمي هذه المؤسسات نفسها، ابتكرت هندسة مالية تُعرف بـ«الملكية المتقاطعة»، حيث تملك البنوك شركات استثمارية تملك بدورها أغلب أسهم البنك. وفي قلب هذه المتاهة، تستقر العوائد بأيدي رجالات المؤسسات العميقة وطبقة «الآقازادة» (أبناء المسؤولين). وحين تُطرح الأزمة الخانقة، يُسارع الخطاب الرسمي لتعليق المشانق لـ«العقوبات الدولية». لكن الشارع الإيراني يهمس بقاعدة صارمة ومؤلمة تُعرف بـ(نسبة 30-70)؛ أي أن العقوبات الغربية لا تتحمل سوى 30% من الكارثة المعيشية، بينما يعود 70% للسرقة المقننة، واحتكار «الخصولتي». لقد أصبحت العقوبات غطاء مثالياً للفساد،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الخليج الإماراتية
