إسراء الردايدة عمان- شهد الشهر الماضي في مدينة كان الفرنسية لحظة لافتة على خشبة قصر المهرجانات، مع صعود الفيلم الأردني "البداية" إلى منصة التتويج، في مشهد عكس تحولا أعمق في بنية السينما وأدوات إنتاجها.
خلال الدورة الثانية من مهرجان العالم لأفلام الذكاء الاصطناعي (WAIFF)، الذي انعقد بين 21 و22 نيسان (أبريل) الماضي، برز اسم المخرج الأردني إبراهيم ذياب بعد فوز فيلمه القصير "The Beginning" بجائزتي أفضل فيلم عاطفي وأفضل موسيقا تصويرية مولدة بالذكاء الاصطناعي، من بين 75 فيلما وصلت إلى القائمة النهائية، بعد تصفية آلاف المشاركات القادمة من نحو 80 دولة.
هذا الإنجاز لا يمكن فصله عن طبيعة المهرجان نفسه، الذي ينظر إليه كواحد من أول المؤشرات الثقافية على تشكل موجة سينمائية جديدة قائمة على أدوات الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الإنتاج حكرا على شركات كبرى أو ميزانيات ضخمة، بل بات مفتوحا أمام تجارب فردية قادرة على تحويل الفكرة إلى صورة، ليقدم ذياب نموذجا مختلفا لصانع الفيلم؛ مهندس مدني سابق، انتقل من منطق البناء الهندسي إلى بناء سرد بصري يعتمد على خوارزميات توليد الصورة والصوت، من دون أن يتخلى عن البعد الإنساني في الحكاية.
ويعكس هذا الفوز تجربة الفيلم من الداخل، بدءا من قصته التي تتمحور حول شخصية "آدم" في سياق إنساني يرتبط بالهجرة والتحولات النفسية، مرورا بالتحديات التقنية في توليد المشاعر بصريا، ووصولا إلى الخيارات الإخراجية التي أعادت توزيع العلاقة بين الصوت والصورة. كما يتتبع مسار إنتاج العمل، والتكلفة والأدوات المستخدمة، مستندا إلى تصريحات مباشرة للمخرج، إلى جانب وضع الفيلم ضمن خريطة أوسع للأعمال الفائزة في المهرجان، التي تعكس بدورها تنوع الاتجاهات في سينما الذكاء الاصطناعي، من الفانتازيا والأكشن إلى الوثائقي والتجريب الفني.
في موازاة ذلك، يفتح المهرجان نقاشا أوسع حول دلالات هذا التحول على السينما العربية المستقلة، التي قد تجد في هذه التقنيات فرصة لتجاوز قيود التمويل والإنتاج، مقابل تحديات جديدة تتعلق بالهوية الفنية وحقوق الملكية الفكرية. وبين الحماس والشك، يظل السؤال المركزي الذي يطرحه هذا المشهد: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح أداة تعبير سينمائي مكتملة، أم أنه سيبقى وسيطا تقنيا يحتاج دائما إلى حس إنساني يوجهه؟
حدث عالمي يجمع السينما والذكاء الاصطناعي
ينظم مهرجان العالم لأفلام الذكاء الاصطناعي تحت رعاية معهد EuropIA، ويعد حدثا دوليا رائدا لأعمال تجمع بين الإبداع السينمائي والذكاء الاصطناعي.
وقد أطلقت الدورة الثانية دعوة التقديم حتى 27 شباط (فبراير) 2026، وجرت مرحلة اختيار المتأهلين النهائية في كان. حضر المهرجان نحو 3000 شخص، وتلقى 3500 طلب مشاركة من 80 دولة، واختير من بينها 60 عملا نهائيا لعرضها في كان. استندت معايير التحكيم إلى جودة العمل فنيا وتقنيا، وقدرة الذكاء الاصطناعي على خدمة السرد والقيمة العاطفية للقصة.
ويشترط في كل فيلم متسابق استخدام ثلاث أدوات توليد آلي مختلفة على الأقل (نصوص أو صور أو صوت) في مرحلة الإنتاج، ويمنح الفائزون جوائز مهنية وشراكات بقيمة تصل إلى 10 آلاف يورو، إلى جانب فرص تمويل لمشاريع لاحقة.
ووفقا للموقع الرسمي، أقيمت فعاليات الافتتاح في قصر المهرجانات بكروزييت في 21 نيسان (أبريل) 2026، تلاها حفل توزيع الجوائز في 22 منه. وتضمنت الفعاليات عروضا عامة وجلسات نقاش احترافية حول مستقبل السرد السينمائي المعزز بالذكاء الاصطناعي. كما نظمت في العام نفسه دورات دولية تمهيدية في البرازيل وكوريا واليابان والصين، لاختيار خمسة أعمال من كل دولة للتنافس في كان.
قصة فيلم "The Beginning" وفكرته المركزية
تحكي قصة الفيلم عن رحلة شاب يدعى آدم يغادر بلده بحثا عن الأمان والتعليم. تبدأ الأحداث بمشهد انطلاقه وسط آمال كبيرة، في رحلة طويلة تمتد لآلاف الأميال (ذكر ذياب أنها بلغت نحو 3500 ميل)، يمر خلالها بتجارب إنسانية يلتقي فيها بأشخاص يقدمون له الخير. يُبرز الفيلم، وفق هذا السيناريو، القيم الإنسانية من تضامن ورحمة وأمل، رغم الصعاب والظروف الصعبة التي تواجه اللاجئين والمهاجرين.
في الفيلم، يظهر "آدم" بطلا صامتا تقريبا، يترك الحوار لأسلوب السرد الصوري والموسيقي. وقد أوضح ذياب أن العمل يسلط ضوءا على المشهد الإنساني العاطفي للرحلة: من خلال كاميرا لا تتوقف عن التقاط سلوكيات بسيطة، يظهر الفيلم كيف تتحول الأفعال الصغيرة إلى "وثيقة للعجائب" في الحياة اليومية ليوثق صيفا مشتركا وتعابير وجه تنقل مشاعر معقدة (مثل الخوف والأمل معا) باستخدام الذكاء الاصطناعي، ليؤكد أن التقنية يمكن أن تخدم القصة الإنسانية بدلا من أن تغطي عليها.
كيف صنعت "البداية" عالم آدم بالذكاء الاصطناعي؟
استغرق إنتاج "The Beginning" أشهرا عدة من العمل المتواصل باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، في تعديلات متكررة لتحقيق المظهر المطلوب. استورد المخرج ذياب قصة آدم وشخصيته إلى منصات ذكاء اصطناعي مختلفة، يستخدم كل منها مهام (Prompts) متخصصة. بحسب ذياب، واجهته تقييدات تقنية كثيرة: "الذكاء الاصطناعي بارع جدا في خلق صور جمالية، لكنه "يستغبي" أحيانا عندما نطلب منه مشاعر إنسانية معقدة. للوصول لتعابير آدم الحقيقية لم يكن الأمر مجرد كتابة برومبت سحري، بل كان عملية نحت رقمي".
على سبيل المثال، لجأ ذياب إلى توليد تعابير وجه مركبة (مخيفة ممزوجة بالأمل) لتفادي النتائج غير الطبيعية: "اضطررت لتعديل الأوامر عشرات المرات... كنت أحيانا أطلب من AI توليد مشاعر متناقضة في اللحظة نفسها (مثل: الخوف الممزوج بالأمل) لتجنب التعابير البلاستيكية". ويشير إلى أن الجزء الحاسم في العملية كان فلترة النتائج باختيار اللقطات الصالحة يدويا:.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
