في وقت تتسابق فيه الأسواق على تسعير وعود الذكاء الاصطناعي، يطرح الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سؤالاً مختلفاً: ماذا لو بدأت الشركات والأسر في الإنفاق اليوم على ثروة لم تتحقق بعد؟ هذا بالضبط ما حذر منه أوستان غولسبي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، مؤكداً أن نجاح الذكاء الاصطناعي سيكون خبراً جيداً، لكنه لا يعفي البنك المركزي من مراقبة التضخم والسخونة الاقتصادية.
قال أوستان غولسبي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، إن الذكاء الاصطناعي إذا حقق الوعود الكبيرة المرتبطة به فقد يكون تطوراً إيجابياً جداً للاقتصاد، لأنه قد يرفع الإنتاجية ويزيد الثروة على المدى الطويل.
لكن غولسبي شدد، في تصريحات نقلتها وكالة Reuters يوم الأربعاء 6 ماي 2026، على أن هذا السيناريو المتفائل لا يعني أن البنك المركزي يستطيع تجاهل مخاطر التضخم. فالفيدرالي، بحسبه، سيظل مطالباً بمراقبة أي علامات على سخونة الاقتصاد إذا بدأت التوقعات المستقبلية تتحول إلى إنفاق حالي.
الفكرة الأساسية في تحذير غولسبي هي أن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي قد لا تظهر فوراً في الاقتصاد الحقيقي. وإذا تصرفت الشركات أو الأسر كما لو أن هذه المكاسب تحققت فعلاً، فقد يرتفع الإنفاق والاستثمار والطلب قبل أن ترتفع القدرة الإنتاجية بالقدر نفسه.
في هذه الحالة، يمكن أن يتحول التفاؤل بالتكنولوجيا إلى ضغط تضخمي، لأن الطلب قد يصبح أقوى من قدرة الاقتصاد على تلبية الحاجيات بالسرعة المطلوبة. لذلك يرى غولسبي أن على الفيدرالي أن يكون أكثر حذراً، لا أن يبني قراراته على وعود مستقبلية فقط.
عادة ما ينظر بعض الاقتصاديين إلى ارتفاع الإنتاجية باعتباره عاملاً يساعد على تخفيف التضخم، لأنه يمكّن الاقتصاد من إنتاج المزيد بتكلفة أقل. غير أن غولسبي أشار إلى أن المسألة ليست آلية دائماً، وأن ارتفاع الإنتاجية قد يدفع أيضاً إلى مزيد من الإنفاق إذا اعتقد الناس أن دخولهم وثرواتهم سترتفع في المستقبل.
وتحدث غولسبي عن تجربة التسعينيات، حين ساهمت التكنولوجيا في رفع الإنتاجية، لكن البنك المركزي ظل مضطراً إلى متابعة الأسعار وأسعار الفائدة بعناية. الرسالة هنا أن التكنولوجيا قد تغير المعادلة، لكنها لا تلغي قواعد السياسة النقدية.
تأتي تصريحات غولسبي في وقت يتزايد فيه النقاش داخل الأوساط الاقتصادية الأمريكية حول أثر الذكاء الاصطناعي على النمو والتضخم وأسعار الفائدة. فبعض المسؤولين والمحللين يرون أن طفرة الإنتاجية قد تمنح الاقتصاد قدرة أكبر على النمو دون ضغط تضخمي كبير، بينما يحذر آخرون من أن موجة الاستثمار والإنفاق المرتبطة بالتكنولوجيا قد تخلق ضغوطاً قصيرة المدى.
وكانت Reuters قد نقلت أيضاً أن نقاش الإنتاجية أصبح من الملفات التي يتابعها مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي عند تقييم المسار القادم للفائدة، خصوصاً في ظل استمرار حساسية الأسواق تجاه أي إشارة مرتبطة بالتضخم أو النمو.
بالنسبة للأسواق المالية، تحمل تصريحات غولسبي رسالة مزدوجة. فمن جهة، لا ينكر الفيدرالي الإمكانات الكبيرة للذكاء الاصطناعي في رفع الإنتاجية ودعم الثروة. ومن جهة أخرى، لا يريد البنك المركزي أن يتحول التفاؤل إلى موجة طلب مبالغ فيها تفرض إبقاء السياسة النقدية مشددة لفترة أطول.
هذا يعني أن المستثمرين قد لا يحصلون بالضرورة على تخفيضات أسرع في أسعار الفائدة فقط لأن قطاع الذكاء الاصطناعي يبدو واعداً. فالفيدرالي سيظل ينظر إلى البيانات الفعلية: التضخم، سوق العمل، الإنفاق، الإنتاجية، ومدى تحول الوعود التكنولوجية إلى نتائج اقتصادية ملموسة.
يرى غولسبي أن نجاح الذكاء الاصطناعي سيكون مكسباً اقتصادياً كبيراً، لكنه حذر من القفز إلى استنتاجات مبكرة. فالتكنولوجيا قد تجعل الاقتصاد أكثر إنتاجية، لكنها قد تغذي أيضاً توقعات وإنفاقاً يرفعان التضخم قبل ظهور المكاسب الحقيقية. لذلك، ستبقى مهمة الفيدرالي كما هي: دعم الاستقرار ومراقبة أي مؤشرات على ارتفاع الأسعار أو سخونة النشاط الاقتصادي.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
