لماذا يجب أن يتولى الفلسطينيون قيادة إعادة إعمار غزة؟

آلان بيرتو؛ إدوارد غلايسر؛ وطارق مسعود* - (إندبندنت عربية) 2/5/2026

لن تنجح إعادة إعمار غزة بخطط مركزية جاهزة، بل بتمكين السكان ومنحهم حقوق الملكية لقيادة البناء بأنفسهم. وتؤكد التجارب العالمية أن المدن تنهض حين يقرر أهلها مصيرها، مما يجعل الإعمار فرصة أيضاً لإحياء الحياة السياسية وتعزيز حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

***

يجب أن يمسك أهالي غزة بمقاليدها

تعد إعادة إعمار غزة من أعظم مهام بناء المدن في التاريخ الحديث -وربما في التاريخ كله. هناك ينتشر نحو 60 مليون طن من الركام على مساحة تعادل مدينة أميركية متوسطة الحجم. ووفق تقرير نشرته صحيفة "هآرتس" خلال تموز (يوليو) 2025، فإن أكثر من 70 في المائة من المباني دُمرت، وهذا مستوى من الدمار يقارن بما شهدته مدينة دريسدن الألمانية بعد قصفها بالقنابل الحارقة خلال الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك، تواجه غزة تحديات لم تعرفها دريسدن، من بينها نزاع مستمر ما يزال غير محسوم، وسلطة سياسية مفتتة.

لم تمنع هذه التحديات الحكومات والمنظمات المختلفة من طرح خطط لإعادة إعمار القطاع، في خطوة محقة. ويكاد الوضع الحالي في قطاع غزة يجعله غير مناسب لعيش البشر. لكن من المؤسف أن تشترك مقترحات إعادة الإعمار التي طرحت حتى الآن كلها في عيوب قاتلة واحدة: لقد وضعها مخططون ذوو نزعة مركزية، مسلحون بأفكار نظرية مجردة حول أفضل السبل لتنظيم القطاع، بدلاً من الاستناد إلى ما يريده الفلسطينيون فعلاً وما يحتاجون إليه.

على سبيل المثال، طرح مسؤولون مصريون خطة رئيسية شاملة للقطاع تتسم بالاتساع والجمود في آن، حيث تتضمن إنشاء "قرى سياحية" محددة، ومناطق لـ"الصناعات الحرفية"، وأحياء للسكن عالي الكثافة، كلها موزعة في مناطق منفصلة. ومن غير المرجح أن يكون هذا المخطط الفوقي -الذي يبدو مصمماً مع حد أدنى من المدخلات المحلية- مفيداً لنحو مليوني فلسطيني يعيشون حالياً في غزة أو لسكانها المستقبليين.

وبالمثل، خلال كانون الثاني (يناير) 2026 عرض جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومبعوثه، الخطوط العريضة لخطة تهدف إلى تحويل غزة إلى وجهة سياحية ومكان يمكن للسكان المحليين أن يعيشوا داخله في ازدهار. غير أن اقتراحه، شأنه شأن الخطة المصرية، يبدو نتاج أشخاص ليسوا على تماس مع الواقع ولا يواجهون ظروف القطاع الفعلية. وأفضل نسبياً من الخطتين السابقتين كانت "خطة الفينيق" التي طرحتها مجموعة تصف نفسها بأنها "ائتلاف طوعي متعدد التخصصات" من الخبراء الفلسطينيين. وركزت هذه الخطة بصورة أكبر على حقوق الملكية الفلسطينية والهوية المحلية والعمل المجتمعي. لكن الخطة تتضمن تنظيماً ثقيلاً، مع تركيز قوي على تحديد استخدامات الأراضي مسبقاً. وفضلاً عن ذلك، تظهر الخطة تأثراً ملحوظاً بتفاصيل تخص الخطط الأوروبية الرائجة -مثل المسارات المخصصة للدراجات الهوائية وأنظمة السكك الحديدية- التي لا تتناسب إلى حد كبير مع واقع قطاع غزة.

بدلاً من الخطط الكبرى، ما تحتاج إليه غزة فعلياً هو تمكين مالكي الأراضي الفلسطينيين -إلى جانب تنظيمهم بأقل قدر ممكن. بدلاً من مصادرة الأراضي وتحديد كيفية استخدامها، ينبغي على السلطة الحاكمة الجديدة في القطاع أن تضمن عودة الأراضي إلى أصحابها النازحين (حتى لو كانت مبانيها مدمرة)، وأن تحميهم من الاستغلال، ثم تفسح المجال لهم لكي يقرروا ما يريدون. يجب أن يكون للفلسطينيين الحق في الاحتفاظ بأراضيهم وإعادة بنائها أو بيعها إلى مطورين عقاريين، أو دمجها مع أراضي جيرانهم لتكوين قطع أكبر يستخدمونها كما يشاؤون. وينبغي أن يقتصر دور الجهات الخارجية والسلطات المركزية أساساً على تقديم الدعم التقني والمالي.

وهناك استثناءات بطبيعة الحال. ستحتاج السلطة المركزية الجديدة في غزة -أياً كانت- إلى بناء البنية التحتية العامة. وينبغي أن تقوم بإنشاء منطقة اقتصادية خاصة لجذب الاستثمارات الأجنبية من خلال ضرائب مخفضة، وتنظيم محدود، ومستوى عالٍ من الأمن. وستتطلب هذه المهام استملاك بعض الأراضي الخاصة تحقيقاً للمصلحة العامة، ولكن يجب تعويض أصحابها تعويضاً عادلاً، ويجب أن يظل نزع الملكيات في حدوده الدنيا. وبصورة عامة، يظل سكان غزة -وليس الحكومات الخارجية- هم الطرف الأقدر على معرفة كيفية تحويل غزة إلى مكان أكثر ملاءمة للعيش. وبعبارة أخرى، لكي يعاد إعمار غزة بما يلبي حاجات سكانها، يجب أن يُعاد إعمارها بأيديهم هم.

دروس من التاريخ

في نهاية العام 1945، كانت طوكيو مدمرة. كانت قوات الحلفاء قد قصفتها بالقنابل الحارقة خلال العامين الأخيرين من الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى تدمير أكثر من 250 ألف مبنى -أي نحو ربع العدد الإجمالي لمباني المدينة. وأصبح نحو مليون شخص بلا مأوى. ولم تواجه الحكومة اليابانية الجديدة مهمة أكثر إلحاحاً من التخطيط لإعادة بناء العاصمة.

في البداية، اختارت نهجاً مركزياً. وضع المسؤول عن التخطيط في بلدية مدينة طوكيو، إيشيكاوا هيدياكي، ما وصفته المؤرخة كارولا هاين بأنه "خطة لبناء مدن أحادية الوظيفة تضم كل منها ما بين 200 ألف و300 ألف نسمة، وتفصل بينها أحزمة خضراء (في فكرة موروثة من التخطيط للدفاع الجوي أثناء الحرب)، وتنظمها شبكة طرق دائرية وشعاعية". وهدفت خطة هيدياكي إلى إحلال وحدات مخطط لها أصغر وأكثر قابلية للإدارة والخدمة محل المدينة الضخمة المترامية. ومن خلال ذلك، افترض أن للمدينة حجماً أمثل دائماً، وأن السكان لا ينبغي لهم إعادة تشكيلها -محاولاً أن يفعل ما يفعله المعماري عند تصميم مبنى معقد.

لكن مبادرته سرعان ما واجهت مشكلات في التمويل ومعارضة شعبية، مما أجبر الدولة على التراجع عنها. وأدى ذلك، بشكل غير مقصود، إلى تحويل إعادة الإعمار إلى مبادرة شعبية. وأشرفت الحكومة على بعض تحسينات البنية التحتية، لكنها تركت لمالكي الأراضي الأفراد والقطاع الخاص حرية إعادة البناء كما يشاؤون. وباستخدام مزيج من التمويل الذاتي، ولاحقاً الدعم الحكومي (في شكل قروض عقارية ذات استحقاقات بعيدة الأجل ومعدلات فائدة ثابتة)، أعاد بعض السكان والشركات بناء ما فقدوه، بينما استغل آخرون الدمار لبناء شيء جديد. وعلى سبيل المثال، استفاد عدد من السكان من نظام إعادة تنظيم الأراضي -وهو إجراء يعيد من خلاله المالكون تحديد حدود ممتلكاتهم لدمج القطع أو لتحقيق توازن أفضل بين المساحات المخصصة للشوارع وتلك المخصصة للملكية الخاصة. وكان الهدف من هذا النظام دمج القطع غير المنتظمة في أشكال أكثر قابلية للبناء، وجعل الوصول إليها أكثر سهولة. واستخدم اليابانيون هذه القطع المعاد تشكيلها لبناء متاجر ومطاعم ومبانٍ شاهقة، أو باعوها إلى مطورين قاموا بذلك.

هذه العملية أثبتت فاعلية لافتة، إذ تولى السكان المحليون قيادة إعادة الإعمار، وعكست المساحات الجديدة في طوكيو رغباتهم ومعرفتهم وليس رؤية مسؤولين بيروقراطيين بعيدين عن الواقع. وازدهرت أحياء طوكيو وتطورت مع تغير حاجات المدينة: تحول حي شينجوكو، على سبيل المثال، إلى مركز ثقافي خلال ستينيات القرن الماضي، ثم إلى قلب حضري حديث يضم أكثر محطات السكك الحديد ازدحاماً في العالم. وعادت طوكيو لتصبح القلب الاقتصادي لليابان، بل أصبحت من أكثر المدن إنتاجية وجاذبية في العالم.

من غير المرجح أن تسلك غزة المسار المذهل هذا ذاته. فعلى خلاف اليابان بعد الحرب، ما يزال القطاع مسرحاً للعمليات العسكرية. كما نزحت نسبة أكبر من سكانه مقارنة بما حصل في طوكيو، وما تزال إدارته مجزأة بشدة، مع مناطق خاضعة لسيطرة "حماس" وأخرى تسيطر عليها إسرائيل. وعلاوة على ذلك، يقدر أن نحو 30 في المائة من الأراضي الخاصة في غزة غير مسجلة، مما يجعل من الصعب على السلطات تحديد الملكية القانونية. ومع ذلك، تظل غزة قادرة على الاستفادة كثيراً من تجربة طوكيو. وينبغي لقادتها أن يجعلوا تحديد حقوق الملكية واحترامها أولوية قصوى، ثم اعتماد نظام لإعادة تنظيم الأراضي على غرار ما شهدته طوكيو لكي يتمكن الفلسطينيون من دمج ممتلكاتهم مثلما فعل اليابانيون. ويجب أن تترافق مع هذا قواعد تمنع إساءة الاستخدام، بما في ذلك قوانين.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 5 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 10 ساعات
خبرني منذ 7 ساعات
خبرني منذ 14 ساعة
رؤيا الإخباري منذ 9 ساعات
خبرني منذ 9 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 17 ساعة
صحيفة الغد الأردنية منذ 5 ساعات
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ 3 ساعات