الرئيس تبّون بين الإنحناء بانقرة والإنبطاح بباريس

لم يكن مشهد الإنكشارية الذي استُقبل به عبد المجيد تبون في أنقرة مجرد خطأ بروتوكولي أو استعراض فلكلوري عابر، بل اعتبره أغلب المهتمين بالشأن المغاربي إهانة سيادية بلبوس تاريخي ملتبس.

ففي عرف الدول التي تحترم نفسها وسيادتها، لا يُستقبل الرؤساء بملابس الجلادين القدامى. لكن في جزائر تبون ، يبدو أن الحنين إلى زمن الخلافة العثمانية قد غلب طابع ثورة المليون شهيد، لدرجة أن الرجل بدا منتشيًا وهو يُعامل كـ والٍ يعود لتقديم فروض الطاعة على أعتاب الباب العالي.

ولقد لخص رجب طيب أردوغان الحكاية خلال كلمة الاستقبال في جملة واحدة: خمسة قرون من العلاقات .

هي ليست تحية، بل فاتورة استحقاق يذكر بها السلطان التركي ضيفه بأن شرعية وجوده في قصر المرادية لا تستقيم إلا بالارتباط بالحبل السري لأنقرة.

فكان الرد سريعًا من تبون، الذي أكد على الإرث الثقافي المشترك مع تركيا العثمانية.

المأساة أن تاريخ هذا البلد، وبهذا النظام الذي صم آذاننا نصف قرن وأكثر بشعارات السيادة الثورية، لم يُصنع إلا عبر عملية بيع وشراء بين قوتين: تركيا التي باعت الجزائر يومًا في سوق النخاسة الدولي، وفرنسا التي استلمت البضاعة.

ونحن بهذا نكون أمام نظام لقيط سياسيًا، يبحث عن نسبه في عباءة العثمانيين تارة، وفي أروقة الإليزيه تارة أخرى.

هو التاريخ المستباح.. بين التسليم و الاستلام .

وفي مشهد يختزل هذه الثنائية بشكل واضح ومدروس في التوقيت والمضمون، جاءت الهدية التي استقبلت الرئيس تبون بمطار هواري بومدين، وتحمل ختم الإليزيه، بعنوان عودة السفير الفرنسي بشروط باريس لا بشروط الجزائر.

فلا اعتذار عن التاريخ، ولا عودة للجماجم، ولا تراجع عن مغربية الصحراء، بل وإدانة فرنسية صريحة لإرهاب مقذوفات السمارة التي أطلقتها ربيبة العسكر، البوليساريو.

هي جزائر تبون اليوم بين الانحناء في أنقرة والانبطاح بباريس، وبينهما أسطوانة النص المقدس: تطابق وجهات النظر في الساحل والصحراء الغربية .

وهي عبارة تحولت مع عبد المجيد تبون من توصيف دبلوماسي عابر إلى عقيدة سياسية كاملة، حتى خُيّل للمتابعين أن الرجل لا يحمل في جيبه إلا آلة تسجيل قديمة، لا تشتغل إلا على هذا الشريط الوحيد.

إن ما جرى في أنقرة لم يكن رحلة دبلوماسية، وهي الثالثة خلال خمس سنوات، بل كان جنازة لما تبقى من هيبة الدولة الجزائرية. لقد أثبت تبون للعالم أن الجزائر اليوم تعيش خارج سياق الزمن العالمي.

نظام يقتات على أوهام القوة، ويسكن داخل كاسيت مشروخ، يبيع السيادة للداخل في الخطابات، ويشتري التبعية للخارج ببطاقات الولاء السيادي.

لقد ذهب تبون باحثًا عن خلافة وهمية في أنقرة، فاستيقظ على وصاية حقيقية في باريس.

وبين السجدة في محراب السلطان والانبطاح في ديوان الإليزيه، ضاعت الجزائر، وضاع معها تطابق وجهات النظر ، الذي لم يعد يطابق إلا هذا الفشل الكلوي لدبلوماسية هذا النيف الطويل.

يوسف غريب كاتب صحفي


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 12 دقيقة
منذ 44 دقيقة
منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 16 ساعة
هسبريس منذ 23 ساعة
هسبريس منذ 11 ساعة
موقع بالواضح منذ 15 ساعة
هسبريس منذ 13 ساعة
هسبريس منذ 15 ساعة
Le12.ma منذ 16 ساعة
هسبريس منذ 17 ساعة