لم يكن الملك الراحل الحسن الثاني مجرد حاكم يتقن الخطابة، بل كان، في نظر كثير من متتبعيه وخصومه، رجلاً سياسياً ألمعياً يعرف كيف يدخل إلى السؤال من بابه الضيق، ثم يخرج منه بمعنى أوسع. وتكشف مقابلاته مع الصحافة الفرنسية، خصوصاً في برامج كبرى مثل L Heure de v rit على Antenne 2 سنة 1989، و 7 sur 7 مع Anne Sinclair سنة 1993، عن شخصية نادرة في قدرتها على تحويل الحوار التلفزيوني إلى مجال لصناعة الصورة، وضبط المعنى، ومخاطبة أكثر من جمهور في اللحظة نفسها.
أهمية هذه المقابلات لا تكمن في أنها وثقت آراء ملك المغرب في قضايا عصره فقط، بل في أنها أظهرت طريقة تفكير رجل دولة كان يعتبر السؤال الصحفي اختباراً للذكاء السياسي. لم يكن الحسن الثاني يجيب فقط ليرد، بل كان يعيد ترتيب السؤال، ويغيّر زاوية النقاش، ويستعمل اللغة بوصفها أداة سلطة ناعمة.
في أرشيف الصحافة الفرنسية، يظهر الحسن الثاني باعتباره واحداً من القادة العرب القلائل الذين قبلوا الدخول إلى فضاء التلفزيون الفرنسي المباشر، حيث الأسئلة محرجة، والجمهور واسع، والسياق السياسي معقد. فقد كان يعرف أن مخاطبة الصحافة الفرنسية ليست مجرد تواصل مع باريس، بل مخاطبة لجمهور متعدد: الفرنسيون، الجالية المغربية، النخب الأوروبية، والداخل المغربي.
ويثبت أرشيف INA أن حلقة L Heure de v rit خصصت ملفاً للملك الحسن الثاني يوم 17 دجنبر 1989، وتضمن الملف تفريغاً مكتوباً ومراجعة صحفية للحلقة، ما يجعلها واحدة من أهم الوثائق التلفزيونية الفرنسية لفهم طريقة حضوره الإعلامي.
هذه النقطة جوهرية: الحسن الثاني لم يكن يكتفي بالخطاب الرسمي الأحادي، بل كان يدخل إلى مساحة الأسئلة، وهي مساحة أكثر خطورة لأنها تفرض الارتجال، وسرعة البديهة، والقدرة على ضبط الانفعال. ومن هنا يبدأ الحديث عن ذكاء الحسن الثاني كرجل سياسي لا كحكّاء لحكايات متداولة فقط.
جاءت مقابلة L Heure de v rit في لحظة فرنسية شديدة الحساسية. فقد كانت فرنسا تعيش نقاشاً حاداً حول الإسلام واللائكية بعد قضية الحجاب في مدرسة كريل. وكتبت Le Monde أن الملك الحسن الثاني كان ضيف البرنامج على Antenne 2، وتحدث عن صعوبات إدماج الإسلام في فرنسا، معتبراً أن الإسلام واللائكية الفرنسية يمكن أن يكونا قابلين للتعايش. كما أبدى رغبته في بناء مسجد جديد في باريس، وهي فكرة تلقاها وزير الداخلية الفرنسي آنذاك بيير جوكس بإيجابية.
هنا يظهر ذكاء الحسن الثاني في مستوى عميق. فهو لم يتعامل مع قضية الحجاب كملف مدرسي محدود، بل رفعها إلى سؤال حضاري: كيف تستطيع فرنسا، وهي دولة لائكية، أن تتعامل مع الإسلام دون أن تحوله إلى مشكلة أمنية أو ثقافية؟ وكيف يستطيع المسلمون في فرنسا أن يعيشوا دينهم داخل نظام جمهوري له قواعده؟
هذه الطريقة في الجواب تكشف قدرة على توسيع إطار النقاش. الصحفي يسأل عن أزمة، والملك يحوّلها إلى سؤال عن علاقة الدين بالدولة، وعن موقع المهاجرين، وعن صورة الإسلام في أوروبا.
من التفاصيل اللافتة التي حفظها أرشيف النقاش الفرنسي أن الحسن الثاني شرح، في سياق قضية الحجاب، أنه تدخل عبر سفيره في فرنسا طالباً من الفتيات المعنيات التوقف عن القضية بصفته أباً لعائلة ، وأنهن وأسرهن تفهمن الأمر. هذا النص ورد في عمل بحثي فرنسي حول صورة الإسلام في فرنسا، مستنداً إلى حلقة L Heure de v rit بتاريخ 17 دجنبر 1989.
سياسياً، هذه الجملة مهمة لأنها تكشف أسلوباً خاصاً في إدارة المعنى. فهو لم يقدم نفسه فقط كملك يتدخل في شأن رعاياه بالخارج، بل كـ أب يتوجه إلى أسر وفتيات في قضية شائكة. هذا الانتقال من لغة السلطة إلى لغة الأبوة كان جزءاً من طريقته في تخفيف حدة الملف، ونزع الطابع الصدامي عنه.
قد يختلف الناس في تقييم هذا الموقف سياسياً، لكن من زاوية تحليل الخطاب، تظهر هنا قدرة واضحة على اختيار الموقع الرمزي المناسب: ليس موقع الحاكم الآمر فقط، بل موقع الأب الناصح، وهي صورة أكثر قبولاً في سياق تلفزيوني حساس.
أحد مفاتيح ذكاء الحسن الثاني في مقابلاته الفرنسية أنه كان يتكلم دائماً أمام أكثر من جمهور في الوقت نفسه. عندما يتحدث إلى صحفي فرنسي، فهو يخاطب الفرنسيين بلغتهم، ويطمئن جزءاً من الرأي العام الفرنسي، لكنه في الوقت نفسه يرسل إشارات إلى المغاربة وإلى الجالية.
هذه القدرة على تعدد مستويات الخطاب هي ما يجعل المقابلة لديه منصة سياسية لا تمريناً إعلامياً. فهو يختار ألفاظه بحيث تصل إلى باريس والرباط معاً. ولذلك كانت المقابلات الفرنسية بالنسبة إليه أكثر من فرصة للظهور؛ كانت مجالاً لإدارة العلاقة بين المغرب وفرنسا، وبين المغرب وجاليته، وبين الإسلام والغرب.
بعد أربع سنوات تقريباً، ظهر الحسن الثاني في برنامج 7 sur 7 مع الصحفية الفرنسية الشهيرة Anne Sinclair. وتؤكد المعطيات المتاحة أن المقابلة بُثت يوم 16 ماي 1993، كما أعادت INA نشر مقطعها عبر منصاتها، ووصفتها بأنها مقابلة تحدث فيها الملك عن الدين والسياسة والهجرة.
وتشير منصة Le Desk إلى أن Anne Sinclair عادت لاحقاً في كتابها إلى كواليس هذه المقابلة مع الحسن الثاني، ضمن فصل تناول لقاءها به سنة 1993، إلى جانب شخصيات دولية كبرى مثل ميخائيل غورباتشوف.
هذه المقابلة مهمة لأنها تضع الحسن الثاني أمام مدرسة تلفزيونية فرنسية مختلفة: أسئلة أكثر مباشرة، إيقاع سريع، وشخصية صحفية قوية. ومع ذلك، فإن قوة حضوره كانت في قدرته على ألا يتحول إلى ضيف محاصر ، بل إلى طرف يمسك بجزء كبير من إيقاع الحوار.
في المقابلة السياسية، هناك فرق بين أن تجيب عن السؤال وبين أن تسيطر على إيقاعه. الحسن الثاني كان بارعاً في الثانية. كان يسمح للسؤال أن يُطرح، لكنه لا يسمح له دائماً بأن يفرض حدوده. يجيب، ثم يوسع، ثم ينتقل إلى خلفية تاريخية أو دينية أو جيوسياسية تجعل الجواب أكبر من السؤال.
وهذه خاصية أساسية في ذكائه السياسي. الصحفي قد يسأل عن حادثة أو موقف، لكنه يرد بمنطق الدولة والتاريخ والعلاقات الدولية. هذا لا يعني أن كل أجوبته كانت بلا جدل، ولا أن كل مواقفه كانت محل إجماع، لكنه يعني أنه كان يعرف كيف يمنع السؤال من أن يصبح فخاً لغوياً.
إذا كانت المقابلات التلفزيونية تكشف سرعة البديهة، فإن كتاب La M moire d un roi يكشف جانباً آخر من ذكاء الحسن الثاني: القدرة على بناء رواية طويلة عن الذات والدولة والتاريخ. فالكتاب صدر سنة 1993 عن دار Plon في شكل مقابلات مع الصحفي الفرنسي ric Laurent، وتؤكد بيانات Internet Archive وOpen Library أنه كتاب مقابلات مع الملك الحسن الثاني حول المغرب وتاريخه السياسي في القرن العشرين.
وتصف مجلة Revue D fense Nationale الكتاب بأنه وثيقة استثنائية ، يجيب فيها الحسن الثاني، الملك الذي كان يحكم المغرب منذ 32 سنة آنذاك، عن أسئلة ric Laurent في مواضيع واسعة تشمل السياسة الداخلية للمغرب، والدبلوماسية الدولية خلال ثلاثة عقود، وتطور العلاقات بين باريس والرباط.
هذا الكتاب مهم لأنه ليس مقابلة عابرة، بل محاولة لبناء ذاكرة سياسية. الحسن الثاني لم يكن يترك سيرته تُكتب فقط من طرف الآخرين، بل شارك في صياغة روايته عن الحكم، وعن المغرب، وعن الصحراء، وعن علاقاته الدولية.
عندما نتحدث عن ذكاء الحسن الثاني، لا ينبغي اختزاله في الأجوبة الطريفة أو الحكايات المتداولة. قوته الأعمق كانت في التحكم في الرواية السياسية. في التلفزيون يسيطر على اللحظة، وفي الكتاب يسيطر على الذاكرة.
بين L Heure de v rit و 7 sur 7 و La M moire d un roi ، نرى ثلاثة مستويات من الأداء السياسي:
في التلفزيون المباشر، تظهر سرعة البديهة.
في المقابلة الطويلة، تظهر القدرة على بناء الحجة.
في الكتاب، تظهر الرغبة في تثبيت رواية تاريخية للمغرب ولذاته كملك.
وهنا تكمن قيمة الأرشيف الفرنسي: إنه لا يقدم لنا مجرد صور من الماضي، بل يسمح بفهم كيف كان الحسن الثاني يستعمل الإعلام بوصفه ساحة حكم.
تنتشر في الذاكرة المغربية رواية شهيرة عن صحفية فرنسية شبهت المغرب العربي بطائر، وجعلت المغرب ذيله ، فرد الحسن الثاني بأن هذا الطائر لا بد أن يكون طاووساً، لأن أجمل ما فيه ذيله. وقد أورد موقع Le360 هذه الرواية ضمن مادة عن استمرار حضور الحسن الثاني في الذاكرة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تاريخ المقابلة أو نص الحوار الأصلي بدقة كاملة.
لذلك، الصياغة المهنية تقتضي أن نقول: تنسب رواية شهيرة إلى الحسن الثاني ، لا أن نجزم بلفظ حرفي غير موثق من تسجيل أصلي.
لكن قوة القصة، حتى بوصفها رواية متداولة، أنها تختصر صورة راسخة: رجل قادر على قلب المعنى في لحظة. ما أريد له أن يكون انتقاصاً من المغرب تحوّل، بجملة واحدة، إلى رمز جمال وتميز. وهذا بالضبط ما كان يفعله في مقابلاته الكبرى: لا يكتفي بردّ الاتهام، بل يعيد تعريف الإطار كله.
يمكن فهم ألمعية الحسن الثاني في الصحافة الفرنسية من خلال خمس قدرات واضحة.
الأولى هي اللغة. فقد كان يتحدث الفرنسية بتمكن يسمح له بمخاطبة الرأي العام الفرنسي دون وسيط. وهذا منحه قدرة نادرة على إدارة صورته خارج المغرب.
الثانية هي سرعة البديهة. وهي لا تظهر فقط في الجمل المشهورة، بل في القدرة على الرد على أسئلة حساسة دون ارتباك واضح.
الثالثة هي التحكم في المعنى. كان يرفض غالباً أن يبقى داخل الإطار الذي يصنعه السؤال، فينقله إلى إطار أوسع يخدم رؤيته.
الرابعة هي معرفة نفسية المحاور. كان يدرك ما ينتظره الصحفي، وما ينتظره الجمهور، وما يجب أن يسمعه كل طرف.
الخامسة هي القدرة على مخاطبة الخارج والداخل معاً. وهذا هو جوهر المقابلة السياسية الناجحة عنده: كلام واحد، ورسائل متعددة.
من المهم، في مقال تحليلي رصين، ألا يتحول الحديث عن الذكاء إلى تمجيد بلا مسافة. الحسن الثاني كان شخصية كبيرة ومركبة، حكم المغرب في مرحلة حساسة، وارتبط اسمه بقرارات سياسية كبرى وبمحطات جدلية أيضاً. لكن هذا لا يلغي حقيقة أن حضوره أمام الصحافة الفرنسية كان استثنائياً في مستواه الخطابي والسياسي.
والذكاء السياسي لا يعني دائماً أن المواقف صحيحة في نظر الجميع. قد يختلف الناس حول السياسة، لكنهم قد يتفقون على أن صاحبها كان شديد القدرة على صياغتها والدفاع عنها. وهذا بالضبط ما تكشفه مقابلات الحسن الثاني مع الإعلام الفرنسي.
العودة إلى أرشيف الصحافة الفرنسية ليست حنيناً إلى الماضي، بل فرصة لفهم علاقة السلطة بالإعلام، وكيف يمكن للقائد أن يحوّل المقابلة إلى لحظة بناء صورة سياسية. في زمن المنصات السريعة والمقاطع القصيرة، تبدو مقابلات الحسن الثاني الطويلة درساً في فن الكلام السياسي: الصبر، التركيب، التحكم في النبرة، واختيار الجملة التي تبقى.
هذا لا يعني أن النموذج قابل للاستنساخ كما هو، لأن الزمن تغير، والإعلام تغير، والجمهور تغير. لكنه يوضح أن القوة السياسية لا تُصنع فقط بالقرارات، بل أيضاً بطريقة شرحها والدفاع عنها أمام الرأي العام.
تكشف مقابلات الحسن الثاني في الأرشيف الفرنسي أن الرجل لم يكن يتعامل مع الصحافة باعتبارها خصماً عابراً أو منبراً محايداً، بل باعتبارها ساحة سياسية كاملة. في L Heure de v rit سنة 1989، دخل إلى نقاش فرنسي داخلي حول الإسلام واللائكية وحوّله إلى حديث عن التعايش والدين والدولة. وفي 7 sur 7 سنة 1993، واجه تلفزيوناً فرنسياً قوياً بشخصية واثقة تعرف كيف تضبط الإيقاع. وفي La M moire d un roi ، انتقل من جواب اللحظة إلى بناء الذاكرة السياسية المكتوبة.
لذلك، فإن أقوى ما يقال عن ذكاء الحسن الثاني ليس أنه كان يملك أجوبة سريعة فقط، بل أنه كان يعرف كيف يحوّل السؤال إلى منصة. منصة لتفسير المغرب، وتقديم ذاته، والدفاع عن خياراته، ومخاطبة العالم بلغة يفهمها.
أما قصة ذيل الطاووس ، سواء ظلت رواية شعبية تحتاج إلى توثيق أدق أو ثبتت لاحقاً في أرشيف كامل، فهي تلخص ما تؤكده المقابلات الموثقة: الحسن الثاني كان يملك قدرة نادرة على تحويل محاولة الإحراج إلى لحظة قوة. وفي السياسة، أحياناً، لا ينتصر من يملك الجواب الأطول، بل من يملك المعنى الأذكى.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
