أنا مقتنعة أن أخطر وهم سياسي يمكن أن تقع فيه أي دولة هو أن تعتقد أن التحكم في الصحافة يعني التحكم في الوعي العام. هذه فكرة قديمة جدا، تعود غالبا في اللحظات التي تبدأ فيها بعض الأنظمة أو بعض مراكز النفوذ في الخلط بين استقرار الدولة وراحة السلطة. والفرق بينهما هائل.
لأن الدولة القوية ليست هي التي تُخرس الأصوات المزعجة، بل التي تملك من الثقة ما يكفي لكي تسمعها دون خوف. أما حين يتحول جزء من الإعلام إلى مجرد أداة لتوزيع الرضا والغضب، أو إلى منصة لتصفية الحسابات المقنعة بشعارات وطنية، فهنا لا نكون أمام صحافة ضعيفة فقط، بل أمام اختلال عميق في فهم معنى الدولة نفسها.
ما يحدث أحيانا في المشهد الإعلامي المغربي يثير عندي سؤالا أكثر خطورة من سؤال الحرية: من أقنع بعض الناس أن إضعاف الصحافة يمكن أن يخدم المغرب؟ فعلا أريد أن أفهم. لأن أي قراءة ذكية لبنية الدول الحديثة ستخبرك أن السلطة التي تُضعف سلطة أخرى لا تنتصر، هي فقط تُربك التوازن العام ثم تؤجل لحظة الانفجار.
الصحافة ليست جمعية خيرية حتى نناقشها بمنطق العطف أو الشفقة. إنها سلطة. والسلطة حين تُدجَّن تفقد الدولة أحد أهم أجهزة المناعة داخلها. لهذا أجد أن الدول التي تخاف من الصحافة تشبه شخصا يكسر ميزان الحرارة لأنه لا يريد رؤية الحمى. قد يختفي الرقم، لكن المرض يواصل التمدد بصمت.
المشكلة أن جزءا من الإعلام لم يعد يتحرك بمنطق البحث عن الحقيقة، بل بمنطق التموضع داخل شبكة المصالح. بعض المنابر لا تكتب لتشرح الواقع، بل لتشارك في هندسته لصالح طرف معين. وهنا تسقط الصحافة من موقع السلطة إلى موقع الأداة. والأدوات لا تصنع دولا محترمة مهما كانت براعتها في إثارة اللغط.
وأعتقد أن أخطر ما يهدد المغرب اليوم ليس وجود إعلام منحاز، فالانحياز موجود في كل مكان، بل وجود إعلام فقد المسافة الضرورية بينه وبين مراكز النفوذ. حين يصبح الصحافي قريبا جدا من السلطة يفقد قدرته على مراقبتها، وحين يصبح قريبا جدا من المال يفقد قدرته على مساءلته، وحين يصبح قريبا جدا من التعليمات يفقد قدرته على التفكير أصلا.
لهذا لم يعد المواطن يثق بسهولة، ليس لأنه شعب عدمي كما يحب البعض أن يصفه، بل لأنه يشعر أن جزءا من الخطاب الإعلامي لم يعد صادقا حتى في انفعاله. هناك شيء مصطنع في كثير من المعارك، شيء بارد ومهني أكثر من اللازم في توزيع التخوين والتشهير والبطولات الوهمية.
وأنا شخصيا أخاف كثيرا من اللحظة التي يصبح فيها الإعلام مجرد وظيفة أمنية غير معلنة. لأن الدولة حين تفقد الصحافة كمساحة للنقد، ستضطر لاحقا لمواجهة الغضب في أشكال أكثر فوضى وأقل قابلية للتحكم. التاريخ السياسي كله يقول هذا. المجتمعات التي يُغلق فيها النقاش العمومي بشكل ناعم، لا تصبح أكثر استقرارا، بل أكثر قابلية للانفجار المفاجئ.
ولهذا أجد أن بعض من يعتقدون أنهم يدافعون عن صورة المغرب يسيئون إليه أكثر مما يتخيلون. لأن صورة الدول الحديثة لا تُبنى بجيوش إلكترونية ولا بمنابر تشتغل بمنطق التعليمات غير المعلنة. صورة الدولة تُبنى حين يشعر المواطن أن هناك توازنا حقيقيا بين السلط، وأن الإعلام قادر على الاقتراب من مناطق النفوذ دون أن يتحول فورا إلى متهم بالخيانة أو قلة الوطنية.
حتى خطب جلالة الملك محمد السادس، لمن يقرأها بعقل سياسي لا بعين بروتوكولية، كانت واضحة جدا في هذه النقطة. الحديث المتكرر عن الصحافة المهنية والمسؤولة لم يكن مجاملة لقطاع معين، بل إدراكا عميقا أن التنمية نفسها تحتاج مناخ ثقة، والثقة لا تُصنع في إعلام يخاف، ولا في إعلام يهاجم بالوكالة، ولا في إعلام تحكمه الحسابات أكثر مما تحكمه المهنية.
المفارقة المؤلمة أن بعض الناس يتصورون أن الصحافة القوية تُربك الدولة، بينما الحقيقة أن الصحافة الميتة هي التي تُربكها. لأن الفراغ الذي تتركه الصحافة المهنية لا يبقى فارغا أبدا. تملؤه الإشاعة، والتطرف، ومنصات الخارج، والعدمية، والغضب غير المؤطر. وبعدها تبدأ الدولة في مطاردة نتائج أزمة ساهمت بنفسها في صناعتها.
لهذا لا أرى أزمة الصحافة عندنا أزمة قطاع فقط، بل أراها جزءا من سؤال أكبر بكثير، هل نريد فعلا دولة مؤسسات، أم فقط دولة مرتاحة من النقد؟ لأن الفرق بين الاثنين هو بالضبط الفرق بين دولة تنمو من الداخل، ودولة تبدو مستقرة إلى أن تكتشف فجأة أنها كانت تخفي أعطابها تحت السجاد طوال الوقت..
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
