فرنسا ترحل الجزائريين.. وصفعة جديدة لتبون بعد ورقة الصحراء

في تطور يكشف حجم التراجع الذي تعيشه الدبلوماسية الجزائرية خلال الأشهر الأخيرة، أعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز استئناف عمليات ترحيل المهاجرين الجزائريين الموجودين في وضعية غير قانونية فوق التراب الفرنسي، بعد أشهر طويلة من الجمود الذي فرضته الأزمة السياسية بين باريس والنظام الجزائري.

القرار الفرنسي لم يكن مجرد إجراء إداري مرتبط بملف الهجرة، بل يحمل في طياته رسائل سياسية ثقيلة تؤكد أن الجزائر، التي حاولت خلال الفترة الماضية استخدام ورقة المهاجرين والتعاون القنصلي كورقة ضغط دبلوماسية ضد فرنسا، وجدت نفسها في النهاية مضطرة إلى التراجع والعودة للتنسيق مع باريس تحت وقع العزلة المتزايدة والأزمات الداخلية المتراكمة.

وأكد وزير الداخلية الفرنسي أن عمليات الترحيل عادت فعليا منذ أسابيع، موضحا أن أكثر من 140 جزائريا جرى ترحيلهم منذ بداية السنة الحالية عبر رحلة جوية واحدة، في مؤشر واضح على رغبة باريس في تسريع وتيرة هذه العمليات خلال المرحلة المقبلة.

الجزائر تتراجع بعد أشهر من التصعيد

وكشفت التصريحات الفرنسية أيضا أن السلطات الجزائرية امتنعت منذ بداية السنة عن تسليم تصاريح المرور القنصلية الضرورية لتنفيذ عمليات الترحيل، قبل أن تعود وتمنح نحو 120 تصريحا مباشرة بعد زيارة لوران نونيز إلى الجزائر في فبراير الماضي.

هذا التحول اعتبره مراقبون تراجعا واضحا من النظام الجزائري بعد أشهر من الخطاب التصعيدي ضد فرنسا، خصوصا عقب إعلان باريس دعمها الرسمي لسيادة المغرب على الصحراء، وهو القرار الذي أحدث صدمة داخل المؤسسة الحاكمة في الجزائر ودفعها إلى الدخول في مواجهة دبلوماسية وإعلامية مفتوحة مع الإليزيه.

ويرى متابعون أن الجزائر حاولت استعمال ملف الهجرة كورقة ابتزاز سياسي للضغط على فرنسا، غير أن المعطيات الحالية تؤكد أن باريس نجحت في فرض شروطها تدريجيا، بينما اضطرت الجزائر إلى استئناف التعاون رغم كل الشعارات التي رفعتها خلال الأزمة.

أرقام صادمة تكشف حجم الأزمة

المعطيات التي كشفها وزير الداخلية الفرنسي تعكس أيضا الحجم الحقيقي للأزمة المرتبطة بالهجرة الجزائرية داخل فرنسا، بعدما أكد أن عدد الجزائريين الموجودين داخل مراكز الاحتجاز الإداري الفرنسية يتجاوز 700 شخص، أي ما بين 30 و40 في المائة من إجمالي المحتجزين داخل هذه المراكز.

وتطرح هذه الأرقام تساؤلات واسعة حول فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية للنظام الجزائري، الذي يواصل إنفاق المليارات على التسلح والصراعات الإقليمية والدعاية السياسية، بينما يدفع آلاف الشباب الجزائريين إلى البحث عن الهجرة بأي وسيلة ممكنة نحو أوروبا.

ويرى محللون أن استمرار موجات الهجرة غير النظامية من الجزائر يعكس حجم الاختناق الداخلي الذي تعيشه البلاد، في ظل تراجع الحريات، وتدهور الوضع الاقتصادي، واستمرار القبضة الأمنية والسياسية التي تدفع فئات واسعة من الشباب إلى فقدان الثقة في المستقبل داخل بلدهم.

أزمة الصحراء كشفت ارتباك النظام الجزائري

وانفجرت الأزمة الدبلوماسية بين باريس والجزائر بشكل غير مسبوق منذ صيف 2024، مباشرة بعد إعلان فرنسا دعمها الصريح لمغربية الصحراء، في تحول استراتيجي اعتبر ضربة موجعة للدبلوماسية الجزائرية التي جعلت من هذا الملف محورا مركزيا في سياستها الخارجية.

لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن سياسة التصعيد التي انتهجها النظام الجزائري لم تحقق النتائج التي كان يراهن عليها، بل ساهمت في تعميق عزلته الدولية، خاصة مع تنامي الدعم الأوروبي والدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الحل الواقعي والجاد للنزاع.

ويرى مراقبون أن الجزائر وجدت نفسها في موقف معقد، بعدما اصطدمت بواقع دولي جديد بات يميل بشكل متزايد نحو دعم المقاربة المغربية، مقابل تراجع الخطاب الانفصالي وفقدانه لزخم التأثير داخل العواصم الغربية الكبرى.

الاعتقالات والقمع يزيدان توتر العلاقات

ورغم عودة التنسيق الأمني والقنصلي بين باريس والجزائر في ملف الترحيل، فإن العلاقات الثنائية لا تزال بعيدة عن أي انفراج حقيقي، خصوصا في ظل استمرار الملفات الحقوقية والسياسية العالقة.

فالأزمة تعمقت أكثر بعد اعتقال الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال نهاية 2024، وهي القضية التي أثارت موجة انتقادات واسعة داخل الأوساط السياسية والثقافية الفرنسية، قبل أن يتم الإفراج عنه بعفو رئاسي.

كما زادت حدة الانتقادات الأوروبية بعد اعتقال الصحفي كريستوف غيليز الذي لا يزال معتقلا داخل الجزائر، في قضية اعتبرتها منظمات حقوقية دليلاً إضافياً على تدهور حرية التعبير واستمرار المقاربة الأمنية للنظام الجزائري تجاه الصحافة والإعلام.

وفي ظل هذه التطورات، تبدو العلاقات الفرنسية الجزائرية مرشحة لمزيد من التوتر خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع استمرار الجزائر في إدارة أزماتها الخارجية بمنطق التصعيد والانفعال، بدل الانخراط في مراجعات سياسية حقيقية تعيد ترتيب أولوياتها الداخلية والإقليمية.


هذا المحتوى مقدم من آش نيوز

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من آش نيوز

منذ 9 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ ساعتين
منذ 7 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 23 ساعة
هسبريس منذ 22 ساعة
هسبريس منذ 13 ساعة
هسبريس منذ 18 ساعة
هسبريس منذ 15 ساعة
جريدة أكادير24 منذ 21 ساعة
هسبريس منذ يوم
جريدة كفى منذ 16 ساعة