لماذا لا تكفي الحرب لإسقاط الدولة العقائدية؟
من أكثر الأخطاء التحليلية شيوعًا في قراءة الصراع بين إيران والقوى الرأسمالية التي تحاول إخضاع إيران لمنطق النظام الدولي، هي اختزال هذا الصراع في نموذج الحرب التقليدية بين الدول؛ أي ذلك النموذج الذي يُقاس فيه الانتصار بتدمير البنية التحتية، وتحطيم القدرات العسكرية، وإجبار الخصم على الاستسلام السياسي. هذا المنطق قد يصلح لتفسير حروب من نمط الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تتواجه دولتان داخل أفق جيوسياسي كلاسيكي تحكمه حسابات الأرض والاقتصاد والسياسة والقدرة العسكرية. غير أن إيران ليست مجرد دولة قومية عادية تدير مصالحها وفق عقلانية مادية خالصة، بل هي أيضًا دولة عقائدية بُني جزء من شرعيتها على فكرة المقاومة ذاتها، وعلى تحويل الصمود إلى قيمة سياسية ودينية في آن واحد.
هنا تحديدًا تكمن الإشكالية التي كثيرًا ما تفشل المقاربات الغربية في فهمها. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست مجرد مؤسسات، ولا مجرد بنية تحتية قابلة للتحطيم، بل هي أيضًا سردية ثورية متجذرة في الوعي السياسي للنظام. ولذلك، فإن الحرب ضد إيران لا تُقرأ داخلها باعتبارها تهديدًا خارجيًا فقط، بل باعتبارها تأكيدًا لصحة رؤيتها للعالم: “نحن مستهدفون لأننا نقاوم ونمانع…”. ومن ثمّ، فإن التدمير العسكري قد يضعف الدولة ماديًا، لكنه قد يمنح التيار العقائدي الصلب داخلها شرعية رمزية إضافية.
هذه النقطة تجعل الصراع مع إيران مختلفًا عن مجرد مواجهة مع دولة تسعى إلى الحفاظ على حدودها أو مصالحها الاقتصادية فقط. فالنظام الإيراني، منذ الثورة الإسلامية عام 1979، شيّد جزءًا من هويته السياسية على فكرة “الصمود التاريخي”، وعلى سردية المظلومية والمقاومة والشهادة. ولهذا لا يمكن افتراض أن انهيار البنية التحتية سيؤدي تلقائيًا إلى انهيار المنظومة السياسية أو العقائدية. ولا يمكن فهم الصلابة الرمزية للدولة الإيرانية دون الانتباه إلى البعد الحضاري العميق الذي تستند إليه في تمثيل ذاتها. فالجمهورية الإسلامية تقدم نفسها باعتبارها وريثة لمسار تاريخي طويل يرى في إيران كيانًا حضاريًا تعرض مرارًا للغزو والاحتواء ومحاولات الإخضاع، لكنه استطاع دائمًا إعادة إنتاج نفسه. ولهذا، فإن خطاب المقاومة في المخيال السياسي الإيراني لا يُقرأ بوصفه دفاعًا عن نظام سياسي قائم فقط، بل باعتباره دفاعًا عن استمرارية تاريخية وحضارية أوسع. ومن هنا تكتسب الحرب والتفاوض معًا أبعادًا تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، لأن أي صراع خارجي يُعاد دمجه داخل سردية تاريخية ترى في إيران حضارة قادرة على النجاة من الانكسارات وإعادة النهوض من جديد، على نحو يشبه صورة “طائر الفينيق” التي تتكرر ضمنيًا في الوعي السياسي للنظام وأنصاره.
من هنا يمكن فهم التشبيه الذي قد يبدو للوهلة الأولى صادمًا، أي مقارنة قدرة إيران على البقاء بما سمّاه بعض منظّري الجهادية (أبو بكر ناجي) بـ”إدارة التوحش”. المقصود هنا ليس المساواة بين إيران والتنظيمات الجهادية العابرة للدول، فالفارق بينهما هائل من حيث البنية والتاريخ والوظيفة السياسية، بل الإشارة إلى نقطة تحليلية محددة: بعض الأنظمة العقائدية تمتلك خيالًا سياسيًا يسمح لها بتصور الاستمرار حتى بعد الانهيار للدولة الحديثة. فهي تستطيع إعادة تنظيم نفسها في أشكال بدائية أو لا مركزية، عبر الشبكات العقائدية، والمؤسسات الدينية، والولاءات المحلية، والأجهزة الموازية، والاقتصاد غير الرسمي، والميليشيات أو الجماعات الجهادية الحليفة.
بمعنى آخر، قد تتحول الدولة المدَمَّرة إلى ما يشبه “طائر الفينيق” الذي يخرج من الرماد، لا بوصفه دولة مستقرة بالمعنى الكلاسيكي، بل بوصفه بنية مقاومة قادرة على البقاء وإعادة إنتاج نفسها. وهذا ما يجعل فكرة “الانتصار الكامل” على إيران شديدة التعقيد. فحتى لو تعرضت منشآتها العسكرية والاقتصادية لضربات قاصمة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة نهاية المنظومة الحاكمة، لأن جزءًا من قوة هذه المنظومة يكمن أصلًا في قدرتها على تحويل الألم والخسارة إلى رأسمال رمزي.
وما يمنح الدول والحركات العقائدية قدرتها على الاستمرار لا يرتبط بإمكانياتها العسكرية أو المؤسسية فقط، بل أيضًا بعلاقتها المختلفة بالزمن وبفكرة “الثبات”. ففي العديد من البنى الجهادية والعقائدية، لا يُنظر إلى الصمود باعتباره مجرد وضع دفاعي مؤقت، بل باعتباره قيمة تأسيسية تؤكد صدق المشروع وأحقيته التاريخية. فالثبات هنا ليس تحملًا سلبيًا للخسارة، بل ممارسة سياسية وعقائدية تُحوِّل الاستمرار ذاته إلى شكل من أشكال الانتصار الرمزي. ورغم الفوارق العميقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والتنظيمات الجهادية العابرة للدول، فإنهما يشتركان، بدرجات مختلفة، في تمَثُّل ثقافي يجعل القدرة على البقاء تحت الحصار والضغط جزءًا من الشرعية العقائدية للنظام أو الحركة. ومن هذا المنطلق تحديدًا تنشأ حروب الاستنزاف؛ إذ يصبح الزمن نفسه سلاحًا استراتيجيًا يُستخدم لإنهاك الخصم نفسيًا واقتصاديًا وسياسيًا، لا مجرد إطار محايد للحرب. فبينما تراهن القوى الكبرى غالبًا على الحسم السريع والتفوق التكنولوجي، تراهن المنظومات العقائدية على النفس الطويل، وعلى قدرتها على امتصاص الضربات وتحويل كلفة الحرب الممتدة إلى عبء يقع تدريجيًا على العدو نفسه. ولذلك، فإن طول الصراع لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار هذه المنظومات، بل قد يتحول إلى مورد لإعادة إنتاج خطاب المقاومة وتكريس صورة النظام بوصفه كيانًا قادرًا على الثبات مهما بلغت كلفة المواجهة.
ولا يكتمل فهم قدرة الدولة العقائدية على الصمود دون الانتباه إلى الكيفية التي تُنتج بها صورة “الآخر المعادي” داخل خطابها السياسي. ففي الحالة الإيرانية، لا تُقدَّم الولايات المتحدة وإسرائيل بوصفهما خصمين جيوسياسيين فحسب، بل باعتبارهما تهديدًا وجوديًا وأخلاقيًا يستهدف الأمة والثورة معًا. ولهذا تكتسب الشعارات والاستعارات السياسية، من قبيل “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل”، وظيفة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
