تعيين ولي العهد كمنسق لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، أو فن صناعة المستقبل من خلال ثنائية (العقل الملكي-العقل العمومي)
تحتاج الأوطان والتنظيمات، في لحظات معينة من تاريخها، إلى ما يطلق عليها “الإشارات القوية” من رأس هرم الدولة. هذه الإشارات تلعب دور المحفز، وتمثل ما يطلق عليه “الاستثمار الرمزي”. وكما يقول السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو، فإن الفعل هو جزء من الواقع، وأن أساتذة الفعل يملكون القدرة على منح قوة دفع كبيرة لفعلهم؛ لأنهم لا يملكون فقط خاصية الفعل، بل ويملكون كذلك خاصية الفعل من خلال سلطة الموقع الأول وسلطة الموقع النوعي، مما يمكنهم من شرعنة الفعل الأسمى والفعل النوعي.
الفعل النوعي والفعل الأسمى المتعلق بتعيين ولي العهد كمنسق لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، يحمل في طياته رمزية ودلالة كبرى (في تاريخ الملكيات بشكل عام)، رمزية مرتبطة ببناء المستقبل، وتتمثل في كون ملك البلاد قد قرر أن لحظة ما يطلق عليه في علم السياسة “فتح المظلة” قد حان وقتها، خصوصًا وأن المظلة التي تم فتحها هي مظلة نوعية؛ لكونها مظلة مرتبطة بتدبير المستقبل، ووحدها مظلة المستقبل من تمتلك ميزة رسم الأفق وفتح باب التفاؤل بالمستقبل.
رأس هرم الدولة في المغرب كان يؤمن أن تدبير مغرب اليوم، في هذه اللحظات من اللايقين ومن الفوضى الجيوسياسية والجيواقتصادية الدولية، والتحديات التي يواجهها المغرب والمرتبطة بالاستمرار في تنفيذ المشاريع الكبرى والانفتاح على الخارج، في حاجة إلى تعزيز وتقوية من خلال استثمار رمزي قوي مرتبط بفتح المظلة التي تؤمن المستقبل وتعزز موقع المغرب في خريطة القرن الواحد والعشرين.
أولًا: بلاغ الديوان الملكي المتعلق بتعيين ولي العهد في منصب منسق مكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، يشرعن الاهتمام الكبير للمؤسسة الملكية بما يطلق عليه “منطقة الحدود”، وهي منطقة الحدود الفاصلة بين زمن ولي العهد وزمن الملك القادم.
في كتابه الذي يضم مجموعة من محاضراته حول الدولة، سيؤكد السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو أن هناك مجالات تعرضت دائمًا للإهمال من طرف الباحثين والمختصين والخبراء، ومنها المجال الذي أطلق عليه تسمية “منطقة الحدود”، وهو المجال الذي يؤطر مرحلة انتقالية بين زمنين أو بين منصبين.
بلاغ الديوان الملكي المتعلق بتعيين ولي العهد في منصب منسق لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، كان رسالة قوية من المؤسسة الملكية مفادها أنه إذا كان مجال “منطقة الحدود” (خصوصًا منطقة الحدود الفاصلة بين زمن ولي العهد وزمن الملك القادم) قد تعرض للإهمال من طرف الباحثين والأكاديميين، فإن هذه الأخيرة (المؤسسة الملكية) توليها أهمية كبرى (سواء في عهد الملك الراحل أو في عهد الملك محمد السادس) من خلال العمل على تأطيرها وشرعنتها وعقلنتها. وهنا وجب التأكيد على العبارة الواردة في البلاغ الصادر عن الديوان الملكي: (تولى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، عندما كان وليًا للعهد، تنسيق مكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية…). عبارة “تولى عندما كان ولي العهد” تعني أن بلاغ الديوان الملكي يُظهر أن المؤسسة الملكية تولي اهتمامًا كبيرًا لما يطلق عليه “منطقة الحدود” التي تفصل بين زمن ولي العهد وزمن الملك القادم، من خلال إخضاعها للعقلنة والتجديد.
تنصيص الدستور المغربي في الفصل الثالث والأربعين على: (إن عرش المغرب وحقوقه الدستورية تنتقل بالوراثة إلى الولد الذكر الأكبر سنًا…)، كان يؤكد على أن تاريخ ودستور المغرب يمنحان للملكية خاصية استثنائية (خاصية الوراثة) تتمثل في وجود الملك إلى جانب وريث الملك (أي ولي العهد)، وأنه وحدها الملكية في المغرب من خصها الدستور بشرعنة (المسؤول: الملك) و(المسؤول القادم: الملك القادم)، بينما الزمن العمومي تأثر كثيرًا بالأفكار التي رسخها السوسيولوجي الألماني ماكس فيبر، والتي تمنع وجود الوريث في العالم العمومي والعالم البيروقراطي، وبالتالي لا أحد يعرف من سيخلفه في منصبه في الزمن العمومي.
شرعنة الدستور المغربي لثنائية (الملك-ولي العهد) كانت تضع على عاتق المؤسسة الملكية بالمغرب ليس فقط مسؤولية ممارسة الاختصاصات الدستورية المخولة للملك، بل وكذلك العمل على تربية وتأطير وصقل ثقافة وعقل وفكر الوريث قبل جلوسه على العرش. وبالتالي، وضع الدستور المغربي مسؤوليتين على عاتق الملكية: (استمرارية الدولة من خلال الفصل الثاني والأربعين من الدستور، واستمرارية العرش من خلال الفصل الثالث والأربعين من الدستور).
مما يؤكد أن المسؤوليات الدستورية الملقاة على عاتق الملكية تجعلها تهتم فعليًا بتأطير وشرعنة ما يطلق عليه “منطقة الحدود” من خلال محاولة خلق تأطير وتأصيل يستهدف عقلنة الزمن الفاصل ما بين زمن ولي العهد وزمن الملك، عبر شرعنة زمن ولي العهد المعين في منصب منسق مكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية.
كما أن المؤسسة الملكية، من خلال الاهتمام بشرعنة ما يطلق عليه “مناطق الحدود”، كانت تؤكد اقتناعها التام بأن الاهتمام بعقلنة زمن مناطق الحدود يساهم بشكل كبير في تمكين ولي العهد (أو الملك المستقبلي للمغرب) من الاستعداد القبلي والأولي، من خلال التأقلم والتمرّس على ما أطلق عليه السوسيولوجي الفرنسي إميل دوركايم “بناء التحديدات القبلية” عبر الاهتمام بالأفكار القبلية التي تمنح التجربة والخبرة، وتعمل بالتالي على تهيئ ولي العهد لمرحلة الملك والقرارات الاستراتيجية الكبرى التي تعتمد على الانتقال من الأفكار القبلية والأفكار النواة إلى الأفكار الناضجة والأفكار النهائية.
ثانيًا: تعيين ولي العهد في منصب منسق مكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، وعقلنة انتقال ولي العهد من مربع فكر وثقافة القصر الملكي إلى مربع فكر وثقافة الشأن العام.
للقيام بقراءة لتعيين ولي العهد في منصب منسق مكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، لابد في البداية من التذكير بفكرة أساسية طوّرها السوسيولوجي الألماني ماكس فيبر وكذلك بيير بورديو، وتعتمد على مفهوم “فكر الدار” أو “فكر المنزل”، وهي طريقة للتفكير بمصطلحات البيت، والتي تعتمد على مبدأ تفسيري للاستراتيجيات المتباينة من خلال الاهتمام بنمط تفكير تاريخي تنامى في جغرافية معينة أكثر مما تنامى في جغرافيات أخرى. لهذا أطلق عليه تسمية “الفكر بمصطلحات البيت”، والبيت يعني هنا ثقافة وفكر من يشغلون البيت، وهو نمط ونوع من التفكير يُزرع ويُرسخ في ذهن من يسكنون البيت.
مما يجعلنا نؤكد أن نشأة وتربية ولي العهد في القصر الملكي تجعل هذا الأخير متشبعًا بما يطلق عليه “فكر البيت” أو “فكر القصر” في البداية (أي في زمن مربع ولي العهد)، وبعد تعيينه من طرف الملك منسقًا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية (أي بعد انتقاله إلى مربع ولي العهد المعين)، يتم نقله كذلك من فكر وثقافة الدار وفكر وثقافة القصر إلى فكر وثقافة العام وفكر وثقافة الدولة.
ثالثًا: تعيين ولي العهد في منصب منسق لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، ينقل ولي العهد من ثنائية (الملك الأب – ولي العهد الابن) إلى ثنائية (القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية – منسق مكاتب ومصالح القوات المسلحة الملكية).
تعيين الملك لولي العهد في منصب منسق المكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية لا ينقل ولي العهد من مربع ولي العهد إلى مربع ولي العهد المعين فقط، ومن مربع فكر وثقافة القصر إلى مربع فكر وثقافة العام فقط، بل ويعمل على نقل ولي العهد إلى مربع في العام يتميز بخصوصية استثنائية وخاصة، وهو المجال العسكري.
قرار تعيين ولي العهد في المجال العسكري.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
