د. رقية بنت حميد الوهايبي **
في كل عام، ومع تخرُّج فوج جديد من طلبة الكليات المهنية، يتكرر المشهد ذاته: شهادات تُرفع، وصور تلتقطها العائلات بفخر، وأسماء تُعلن وسط التصفيق.
لكن ما يحدث في هذه اللحظة أعمق من مجرد احتفال عابر؛ فالقضية لا تتعلق بتخرّج طلبة فقط، وإنما بتحوّل هادئ يحدث داخل المجتمع نفسه: تحوّل في معنى الكفاءة، وفي صورة المهنة، وفي الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى قيمته ودوره في الحياة.
وعلى امتداد سنواتٍ طويلةٍ قضيتها في هذا القطاع الذي سكن قلبي قبل أن يصبح جُزءًا من مهنتي، أدركتُ أن الكليات المهنية لا تصنع موظفين بالمعنى التقليدي، ولكنها تصنع إنسانًا مختلفًا.
الفرق الحقيقي الذي رأيتهُ خلال هذه السنوات لم يكن في الشهادات، وإنما في ملامح الطلبة أنفسهم؛ في الطريقة التي يتغير بها صوت الطالب بعد أن يتقن مهارة، وفي ثقته بنفسه عندما يشعر للمرة الأولى أنه قادرٌ على الإنتاج، وعلى أن يكون نافعًا ومُؤثرًا، وله مكان حقيقي في هذا العالم.
رأيتُ حسام يبدأ من أعمال نجارةٍ بسيطة، ثم يكبر مشروعه قطعةً قطعةً حتى أصبحتْ له ورشته الخاصة، وصار النَّاس يقصدونه لجودة ما تصنعه يداه، ورأيتُ مريم التي بدأت بخجل شديد، تحاول تطوير نفسها في الطبخ، ثم تحولت خطواتها الصغيرة إلى مشروع يحمل اسمها، ويمنحها استقلالًا اقتصاديًا وشعورًا مختلفًا بذاتها، أما حاتم، فقد كان يرى إخوته الجامعيين أكثر قيمة منه، ويشعر أنَّ طريقه أقل شأنًا. بدأ العمل في ورشة صغيرة، ثم كبرت الورشة وكبر معها، واليوم أصبح يدرب بعض خريجي الجامعات أنفسهم.
وهنا تحديدًا تكمن الحكاية التي لا تقولها الشهادات، فالكليات المهنية لا تمنح الإنسان مهنة فقط، لكنها تُعيد بناء علاقته بنفسه، ولعل واحدة من أكبر المشكلات التي واجهت بعض المجتمعات العربية لسنوات طويلة، أنها ربطت قيمة الإنسان بالمسمى أكثر من ربطها بالإتقان؛.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
