زحام الأيام، لا يسقط الإنسان فجأة، بل يتآكل ببطء... كقطعة سكرٍ تُلقى في كوب قلقٍ ساخن. يذوب دون ضجيج، ويختفي دون إعلان. ثم، في لحظةٍ ما، يلتفت إلى نفسه وكأنه يراها لأول مرة: متعبًا، مُثقلاً، ومتورّطًا في أفكارٍ لم يستأذنها. هنا تحديدًا، لا يحتاج إلى معجزةٍ خارقة، بل إلى تذكيرٍ صادق... أن يقول لنفسه: لقد خرجتُ من أيامٍ كانت أقسى مما أنا فيه الآن، وتعافيتُ من مخاوفٍ كانت تُحكم قبضتها على نظرتي للحياة حتى ظننتُ أن العالم ضيّق كصدري.
ليس التذكير رفاهية، بل نجاة. لأن الذاكرة -حين تُهذّب-تصبح يدًا تربّت على كتفك لا سوطًا يجلدك. كم مررتَ بفشلٍ ظننتَ أنه وصمة، ثم اكتشفتَ-بعد أن هدأت-أنه كان درسًا يتخفّى في هيئة خسارة؟ كم ذقتَ اليأس حتى حسبتَ أن قلبك قد استقال، ثم عاد ينبض كأن شيئًا لم يكن؟ وكم داهمك القلق، ذلك الزائر الثقيل الذي لا يطرق الباب، فجلستَ معه مُكرهًا، ثم خرجتَ منه-بصمت-أقوى مما دخلت؟
الإنسان لا يُقاس بانتصاراته الصاخبة، بل بقدرته على النهوض بعد ليالٍ لم يصفّق له فيها أحد. إنجازاتك المعنوية اليومية -تلك التي لا ترى- هي ما يصنعك حقًا: صبرك حين كدتَ تنفجر، عفوك حين كان الانتقام أسهل، استمرارك حين كان التوقف أكثر إغراء. هذه التفاصيل الصغيرة، ببساطتها وصدقها وعمقها وروتينها المتكرر، ليست هامشًا في حياتك... بل هي المتن.
وقديماً، حين ضاقت الحال بالإمام أحمد بن حنبل، اشتد عليه البلاء في محنته، حتى كادت الأرواح تتعب من طول الطريق. لم يكن في يده سلاحٌ إلا يقينٌ بالله، ولا سندٌ إلا صدقُ التوجّه إليه. صبر، لا لأن الصبر سهل، بل لأن الله حق، ولأن التوحيد ليس كلمة تُقال بل حياة تُعاش. خرج من تلك المحنة كما يخرج الذهب من النار: أنقى لا أقسى. لم يكن انتصاره صخبًا، بل ثباتًا. ولم يكن درسه أن الحياة تُلين لمن يطلبها، بل إن القلب يلين لله فيقوى على ما سواه.
وهنا، تتبدّل الزاوية: لستَ بحاجةٍ إلى أن تصبح شخصًا آخر كي تنجو، بل أن ترى نفسك كما هي-بعينٍ أعدل. يقول أرسطو إن "نحن ما نكرره"، وكأنّه يهمس لك: لا تحتقر تكرارك الجميل، فالتكرار الصادق يبني هويةً لا تهتز. ويأتي ابن القيم ليضع المعنى في موضعه حين يقرر أن "الصبر نصف الإيمان"، فتفهم أن ما كنت تظنه تأجيلًا للفرج، كان في الحقيقة بناءً داخليًا لا يراه أحد.
إن الله جلّ جلاله، الواحد الأحد، لا يضيع عنده سعيٌ ولا يخفى عليه دمعٌ ولا يضيق عليه أمر. يراك حين تتجلّد، ويسمعك حين تُحدّث نفسك في صمت، ويعلم مواضع الضعف فيك كما يعلم بذور القوة. قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقال.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
