رغم مُضي واقعة “صلاة باب دكّالة” بمراكش، إلا أنه لا زالت “القَرْبالة” متواصلة، في صفّين: أحدهما يوالي “حفيذ” سعد بن عبادة، والآخر يناهض “الكوفيّين”(من الكوفيّة) الموالين لطروحات “أذْرع إيران”. الكلٌّ يهلّ بهلالِه، تماماً كما قال عبد الله بن العباس بالأمس لمعاوية: “أيُلْزِمُنا من في الشّام أن نصوم معه، ونحن في الحِجاز؟!”
وبعد إقحام “مَفْتاحة” في الفاتح من ماي هذا العام، وبعد توالي ردود الناس، بخصوص ما شَجَر بين زعيم السّلفيّين و”حفيذ” الصّحابي الأنصاري الخَزْرَجي، بدا واضحاً للعيان مدى الضلّ المُلْقى على عقولنا من طرف الشّرق الشّقيق على كل حال. فهذه “بِنْت الصّالحين” وذاك “وليٌّ من أولياء الله”، ولا ندري غداً لناظِره قريب، ربّما يخرج علينا من يدّعي المَهْدوية، خصوصاً في هذه الأجواء التي لا زال البعض يعتقد أنّ “القرآن نزل على قريش”!
وكأنّنا للأسف في خضمّ نُسخة جديدة من فيلم “الرّسالة”، بإخراج شَعْبوي باهت وتمويل من العبَث حيناً ومن التّفاهة والتّرف الفكري أحياناً أخرى. لقد طغى السِّباب وتاه الشّباب، وتمادت النُّعوت بعدما فَجَرت الخصومات. صار المرْء لا يُلقي بالا لذاك “البالِسْتي” الذي يُطلقه من منصّات التواصل، كما منصّة الفاتح من ماي، ولا لتلك “المُسيّرات” التي خلَفَت المَسيرات، تجول فوق أسْطح الأعْراض والحُرُمات.
لكنّ اللّوم هنا على كل حال، لا يقع على الأتباع، بقدر ما يقع على أصحاب المنابر والأقلام والمنصّات، أولئك الذين يُحوّرون الأسماء والمسمّيات، الواردة في الآيات المُحْكمات، يقولون: “حزب اللاّت” بدل “حزب الله”، والله يقول: “أولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (سورة المجادلة، 22). وِزْر هذا الخطأ قد يتحمّله ذاك الذي سمّى حزبَه بآيات قرآنية أو جزء منها، وقس على ذلك الذي سمّى فصيلَه بـ”العدل والإحسان”، قال تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ” (سورة النّحل، 90).
هذا التّضْمين يُحيلنا إلى الاستعمال الأوّل للدّين من طرف الخوارج، لآية “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ” (سورة يوسف، 40)، إبّان احتجاجهم على التّحكيم الذي هم فرضوه في الأوّل، فكان ذلك من قبيل “الحقّ الذي يُراد به باطل” كما قال الإمام علي بن أبي طالب. رجاءً دعوا القرآن الحكيم في سلام، لأنّه يجمع الجميع.
في إطار هذه الفوْضى، صار بعض الفقهاء والمشايخ، ينعتون الإيرانيّين بـ”المجوس” ويحكمون على عقيدتهم بـ”الشّرْك”، كأنّما لهم وحدهم مفاتيح الجِنان؛ النّار و”صُكوك الغفران”. لا أدري من أيّ منطلق ينطلقون؟ ولماذا يَقْدحون في القوميّات؟
فإن كان من جهة العلاقات الدولية، فـ”لا إكراه” قد قُطعت العلاقات، والسّياسة كجوّ الطّقس، ربّما يوماً ما تنْجلي الغيْمات. وإن كان من جهة كبار الأئمّة والمحدّثين، الذين يعتمدهم “أهل السنة والجماعة”، فأكثرهم كانوا فُرْساً من إيران: كالبخاري إمام المحدّثين، ولد في بخارى بأوزبكستان؛ والإمام مسلم صاحب كتاب “صحيح مسلم” ولد في نيسابور شرق إيران؛ والإمام أبو حنيفة النعمان ولد بالعراق؛ والإمام الترمذي صاحب كتاب “سنن الترمذي” ولد في ترمذ بأفغانستان؛ والإمام النّسائي صاحب كتاب “سنن النسائي” ولد في نسا بتركمانستان على حدود إيران؛ وابن ماجة صاحب كتاب “سنن ابن ماجة” ولد في قزوين بإيران؛ والحاكم النّيسابوري صاحب كتاب “المستدرك على الصحيحين” ولد في نيسابور شرق إيران؛ والإمام السّرَخْسي صاحب الكتاب “المبْسوط” و”الأصول” من سرَخْس في خراسان بتركمانستان؛ والإمام أبو حامد الغزالي صاحب كتاب “إحياء علوم الدين” و”تهافت الفلاسفة” ولد في طوس (مشهد) شرق إيران؛ والإمام أبو المعالي الجُوَيني ولد في جوين شرق إيران؛ والإمام الرّافعي الملقب بـ “شيخ الشافعية” وصاحب “الشرح الكبير” ولد بقزوين في إيران.
سيبويه نفسه إمام النُّحاة ومؤسّس علم النّحو في اللغة العربية، وصاحب كتاب “الكتاب” ولد في شيراز بإيران؛ والإمام الطبري صاحب كتاب “تفسير الطبري” ولد بإقليم طبرستان شمال إيران؛ والإمام الرّازي صاحب كتاب “التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)” ولد في الرّيّ قرب طهران بإيران؛ والإمام البغوي صاحب كتاب “تفسير البغوي (معالم التنزيل)” ولد في خراسان شرق إيران؛ والجُرْجاني صاحب كتاب “دلائل الإعجاز” و”أسرار البلاغة” ولد في جُرْجان شرق إيران؛ وغير هؤلاء كثير.
وإن كان من جهة كثرتهم العددية، فالحقّ لا يُعرف بالكثرة، لأنّ الله تعالى مدح الأقلّية وذمّ سبحانه الكثرة (1)، كما أنّ سبب “كثْرتكم” قد يرجع إلى ما يسمّى بـ”الفتوحات”، التي شابتها جرائم مقترفة في حقّ الشّعوب (2)، وما “داعش” إلا نسخة من تلك الهوامش، التي طبعت على مرّ التاريخ جبين الأوائل (3).
على ذكر هذه “الفتوحات” نتساءل بدورنا عن سبب تغطيتها للسّواحل فقط، ولماذا لم تتوغّل في أدغال إفريقيا مثلاً؟
علاّل الفاسي نفسه كان يُعاتب هذه “الفتوحات”، يقول: “إنّ مشكلة اللغة العربية ليست اليوم، وإنّما تعود لقرون مضت، حيث أنّ أجدادنا العرب نُؤاخذهم على وقوفهم في فتوحاتهم عند السّهول وتركوا الجبال ولم يقتحموها، فضلّت معاقل للعُجْمَة البربرية، وها هي العربية مهددة اليوم من العُجْمَة الداخلية والخارجية (يقصد الأمازيغية والفرنسية)” (4).
وإن كان من جهة المنهج الأصحّ في اتّباع روح القرآن الحكيم، فالإيرانيون يُعملون المذهب الجعفري فيعرضون الأحاديث على.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
