ملخص لم تكن الوحدة منذ بدايات الثورة في إيران مجرد شعار أو أمنية سياسية، بل تحولت إلى أداة حكم، تستدعى في لحظات الأزمة بوصفها وسيلة لإسكات الخلافات الداخلية.
في الخطاب السياسي الإيراني، تقدم الوحدة باعتبارها ركيزة أساسية لاستقرار النظام وتماسكه في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، غير أن هذا المفهوم نفسه يتحول عملياً إلى ساحة صراع على تعريفه وتوظيفه، في ظل استقطاب متصاعد بين تيارات سياسية متباينة داخل الدولة ومؤسساتها.
وعليه، لم تكن الوحدة منذ بدايات الثورة في إيران مجرد شعار أو أمنية سياسية، بل تحولت إلى أداة حكم، تستدعى في لحظات الأزمة بوصفها وسيلة لإسكات الخلافات الداخلية. فمن الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل، إلى حرب أخرى امتدت 40 يوماً تبعتها هدنة هشة، عاد المسؤولون السياسيون والعسكريون ورجال الدين لخطاب الوحدة ذاته، مؤكدين ضرورة تناغم "الميدان والدبلوماسية". غير أن هذه الدعوات، كما في مرات سابقة، لا تبدو قادرة على إخفاء عمق الانقسامات داخل بنية النظام، إذ باتت الشعارات من نوع "إله واحد، أمة واحدة، قائد واحد" عاجزة عن احتواء التصدعات المتزايدة.
وفي المقابل، لم يعد ممكناً تجاهل أو التسامح مع بعض الأصوات التي تلمح إلى هذا الواقع. فقد تحركت النيابة العامة في طهران ضد مقالة للصحافي عباس عبدي، الذي وصف التيارات المتشددة بأنها "أقلية ريعية"، ورأى أن ذلك سبباً لتوجيه اتهام رسمي ضده. ورد أحد مساعدي السلطة القضائية قائلاً إن "من يسيء إلى الناس في الشارع يفتقر إلى فهمهم"، مؤكداً في الوقت ذاته أن "لدينا 32 مليون فدائي".
ما يجري اليوم في المشهد السياسي الإيراني هو في جوهره صراع بين تيارين كلاهما يعلن الولاء للقيادة، لكنهما يقفان على طرفي نقيض في شأن مستقبل البلاد. فمن جهة، هناك تيار يصف نفسه بـ"العقلاني"، يرى في التفاوض مع الولايات المتحدة السبيل الوحيد لإنقاذ الاقتصاد وتعزيز الأمن. ومن جهة أخرى، يقف تيار متشدد يحسب التفاوض نوعاً من "الخيانة"، ويواجه خصومه بوسائل ضغط وتهديد، مستفيداً من نفوذه داخل وسائل الإعلام الرسمية والحرس الثوري والسلطة القضائية، ليؤكد أن الشعب الإيراني موحد، وأن كل خطوط الانقسام المصطنعة قد زالت.
وحدة تحت مظلة القيادة ومسار الثورة المستمر بعد حرب الـ12 يوماً، شددت السلطات الإيرانية مراراً على ضرورة الوحدة، إلا أن احتجاجات يناير (كانون الثاني) الماضي وما أعقبها من مواجهات دامية، أظهرت أن هذه الوحدة، إن وجدت، فهي محصورة في دوائر السلطة، وليست امتداداً اجتماعياً شاملاً. ومع ذلك، وبعد الحرب التي استمرت 40 يوماً وفي ظل هدنة هشة، عاد خطاب الوحدة للواجهة بوصفه محوراً مركزياً في خطاب الدولة.
وتؤكد السلطات أن الوحدة هي عامل الانتصار في مواجهة العدو، وتسعى إلى تطبيقها في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. حتى إن أنصار النظام رفعوا في التاسع من مايو (أيار) الجاري، في ساحة الثورة بطهران، شعار "القيادة الموحدة والروح النضالية سر انتصارنا في الحرب الاقتصادية".
ومن بين الأحداث التي أسهمت في تعميق التوتر الداخلي، المواجهة الكلامية بين المداح الحكومي الشهير سعيد حدادیان، ووزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف. فقد دعا ظريف في مقالة إلى اتفاق شامل مع الولايات المتحدة وتحسين العلاقات الثنائية، بينما هاجمه حدادیان في تجمع علني، مانحاً إياه مهلة ثلاثة أيام للاعتذار بعبارة لقد أخطأت، بل وذهب أبعد من ذلك حين وصفه بعض أنصاره بـ"الجاسوس".
هذا التصعيد دفع ظريف إلى التراجع، إلا أن الحادثة أثارت ردود فعل واسعة. من بينها تصريح النائب الأول السابق للرئيس حسن روحاني، إسحاق جهانغيري، الذي قال إن "أي عمل يخل بالمشهد الوطني هو عمل ضد إيران وضد الوطنية"، مؤكداً أنه "لا ينبغي طرح أية قضية تضر بالانسجام الوطني، وأية محاولة لتفكيك هذا الانسجام هي خيانة وطنية".
في المقابل، يسعى بعض السياسيين إلى التقليل من حدة الانقسام، معتبرين أن الخلافات تدور حول مستقبل البلاد لا حول ولاء الأطراف. من بينهم النائب السابق في البرلمان، علي مطهري، الذي يرى أن جميع المواطنين والنشطاء السياسيين ذوو نوايا حسنة، وهم قلقون على مصلحة البلاد ومستقبلها، مضيفاً أنه لا ينبغي اتهام مؤيدي التفاوض بالخيانة، كذلك لا ينبغي وصف أنصار استمرار المواجهة بالتشدد.
هذا الخط الذي يقدم نفسه بوصفه تيار "الاعتدال والعقلانية" له حضور داخل الحكومة أيضاً، إذ يقول سيد علي عماد، مستشار الرئيس لشؤون الحوزة الدينية، إن "بلدنا يقوم على مبدأ واحد وطريق واحد، ولن يخرج أي منا عن هذا المسار"، مضيفاً أنه "لا وجود للتشدد أو التراخي، بل نحن جميعاً نسير معاً في طريق الثورة". وهي الفكرة ذاتها التي يكررها مسؤولون آخرون في مواجهة الخطاب الأميركي على منصة "إكس"، بعبارات مثل: "إله واحد، أمة واحدة، قائد واحد وطريق واحد، هو طريق انتصار إيران"، مع تأكيد أن هذا المسار لا يتحقق إلا عبر الطاعة الكاملة للقيادة.
وتعد مسألة الطاعة للمرشد أحد أكثر العناصر تكراراً في الخطاب السياسي الإيراني بوصفها شرطاً للوحدة، وفي هذا السياق، يدعو حفيد مؤسس النظام الإيراني حسن الخميني مختلف التيارات إلى عدم التشدد أكثر من اللازم، مؤكداً أن المرشد الأعلى مطلع على كل الأمور، وأن القرارات تمر عبر مسارها المؤسساتي ويوافق عليها ويوقعها. كذلك يشير إلى أن معظم صناع القرار اليوم إما من عائلات ضحايا، أو ممن قضوا أعواماً طويلة في هذا المسار، أو من قادة الحرب السابقين.
هذا الصوت الداعي إلى الوحدة خلال جميع أعوام الثورة لم يصل إلى نتيجة، ولم تتشكل عملياً أية وحدة، وما شوهد باستمرار في المجتمع هو اختلافات جدية في الرأي، هذه الاختلافات موجودة اليوم أيضاً داخل البرلمان. النائب رضا سبهوند يتحدث عن تيار يدعي امتلاك كل شيء، ويشرح قائلاً إنه "يجب أن نتحد حول ولاية الفقيه،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اندبندنت عربية
