لم يعد اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، المعروف اختصاراً بـ ADHD، مرتبطاً فقط بصورة الطفل كثير الحركة داخل القسم أو الشخص الذي لا يستطيع الجلوس بهدوء. بالنسبة لكثير من النساء، قد يظهر الاضطراب بطريقة مختلفة وأكثر صمتاً: ذهن مزدحم، نسيان متكرر، صعوبة في ترتيب المهام، إرهاق من محاولة الظهور بمظهر المسيطرة ، وشعور دائم بأن الحياة اليومية تحتاج مجهوداً أكبر مما يراه الآخرون. هذا الاختلاف في الظهور جعل نساء كثيرات يعشن سنوات طويلة مع القلق أو جلد الذات أو تشخيصات غير مكتملة، قبل أن يفهمن أن المشكلة قد تكون اضطراباً عصبياً نمائياً يحتاج فهماً وتقييماً طبياً، لا أحكاماً اجتماعية قاسية.
اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه هو اضطراب عصب نمائي يبدأ غالباً في الطفولة وقد يستمر إلى مرحلة البلوغ. وتوضح مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها أن التشخيص لا يقوم على عرض واحد أو موقف مؤقت، بل على نمط مستمر من أعراض عدم الانتباه أو فرط الحركة والاندفاعية يؤثر في الدراسة أو العمل أو العلاقات أو الحياة اليومية.
عند البالغين، قد تظهر الأعراض في صعوبة إدارة الوقت، كثرة النسيان، فقدان الأشياء، تأجيل المهام، الاندفاع في الكلام أو القرار، أو الشعور الداخلي بالتململ. لكن عند النساء تحديداً، قد يكون الاضطراب أقل وضوحاً للآخرين، لأن جزءاً كبيراً من المعاناة يحدث في الداخل لا في السلوك الخارجي.
الصورة النمطية القديمة ركزت لسنوات على نموذج الطفل كثير الحركة والمندفع، وهو ما جعل حالات كثيرة عند الفتيات والنساء لا تُقرأ بالطريقة نفسها. تشير مصادر طبية ومؤسسات متخصصة إلى أن النساء والفتيات قد تظهر لديهن أعراض عدم الانتباه، التشتت، صعوبة التنظيم، أحلام اليقظة، والإرهاق الذهني بشكل أوضح من فرط الحركة الظاهر.
لهذا السبب قد تبدو المرأة من الخارج هادئة أو مجتهدة أو منظمة ، بينما تبذل جهداً كبيراً لإخفاء الفوضى الداخلية. هذا السلوك يعرف أحياناً باسم الإخفاء أو التعويض، حيث تعتمد المرأة على قوائم طويلة، تذكيرات مستمرة، قلق زائد، أو كماليات مرهقة حتى لا يلاحظ الآخرون صعوبة التركيز والتنظيم.
ليست كل النساء يعشن التجربة نفسها، ولا يمكن تشخيص الاضطراب من مقال أو اختبار سريع، لكن هناك علامات تتكرر في كثير من الشروحات الطبية حول ADHD عند النساء:
صعوبة في بدء المهام أو إنهائها رغم وجود الرغبة والنية.
نسيان المواعيد، الأغراض أو التفاصيل الصغيرة بشكل متكرر.
تشتت سريع أثناء العمل أو الحديث أو القراءة.
إرهاق ذهني بسبب محاولة تذكر كل شيء وتنظيم كل شيء.
تأجيل مستمر للمهام ثم إنجازها تحت ضغط كبير في آخر لحظة.
حساسية عاطفية أو شعور سريع بالإحباط عند النقد أو الفشل.
شعور داخلي بالتململ حتى من دون حركة زائدة واضحة.
صعوبة في ترتيب الأولويات، خاصة عند تراكم مسؤوليات العمل والبيت والعائلة.
من أكثر أسباب تأخر التشخيص أن الأعراض قد تُفسر أحياناً على أنها قلق، اكتئاب، توتر، أو ضعف في التنظيم الشخصي فقط. في الواقع، يمكن أن تتعايش هذه الحالات مع ADHD، كما أن سنوات طويلة من الفشل المتكرر في الالتزام بالمواعيد أو إنجاز المهام قد تولد قلقاً حقيقياً وانخفاضاً في تقدير الذات.
لذلك لا يكفي القول إن المرأة متوترة فقط أو كسولة أو تحتاج إلى تنظيم وقتها . التقييم المهني ينظر إلى التاريخ منذ الطفولة، تأثير الأعراض في أكثر من مجال، وجود حالات مصاحبة، وطريقة تغيّر الأعراض عبر مراحل الحياة.
تشير دراسات ومراجعات متخصصة إلى أن التغيرات الهرمونية قد تؤثر في شدة بعض أعراض ADHD عند النساء، خاصة في فترات مثل الدورة الشهرية، الحمل، ما بعد الولادة أو فترة ما قبل انقطاع الطمث. لا يعني ذلك أن الهرمونات هي سبب الاضطراب، لكنها قد تجعل التشتت، التعب، تقلب المزاج أو صعوبة التنظيم أكثر وضوحاً لدى بعض النساء.
هذا الجانب مهم لأن بعض النساء لا يطلبن المساعدة إلا عندما تزيد المسؤوليات أو تتغير الظروف الحياتية. قد تنجح المرأة لسنوات في التعويض، ثم تظهر الصعوبات بقوة بعد دخول الجامعة، الزواج، الأمومة، وظيفة أكثر ضغطاً، أو تغيرات صحية ونفسية.
انتشار المحتوى حول ADHD على منصات التواصل ساعد كثيرين على طرح أسئلة مهمة حول صحتهم النفسية، لكنه خلق أيضاً خطراً آخر: التشخيص الذاتي السريع. مشاهدة فيديو قصير عن النسيان أو التشتت لا تكفي للحكم بوجود اضطراب. فالأعراض قد تتشابه مع قلة النوم، الضغط النفسي، اضطرابات الغدة، نقص بعض العناصر، القلق، الاكتئاب أو ظروف الحياة المرهقة.
التشخيص الصحيح يحتاج طبيباً نفسياً أو مختصاً مؤهلاً، مع تقييم شامل للأعراض، تاريخها، شدتها، ومدى تأثيرها في الحياة اليومية. وقد يشمل العلاج، حسب الحالة، التثقيف النفسي، العلاج السلوكي المعرفي، تعديلات نمط الحياة، تنظيم البيئة، أو الأدوية عندما يراها الطبيب مناسبة.
الدعم يبدأ بتغيير اللغة. بدل اتهام المرأة بأنها مهملة أو غير مسؤولة، من الأفضل فهم أن الدماغ قد يواجه صعوبة حقيقية في التنظيم والانتباه وإدارة الوقت. هذا لا يعني رفع المسؤولية بالكامل، لكنه يعني البحث عن أدوات مناسبة بدل الاكتفاء باللوم.
من الخطوات العملية: تقسيم المهام الكبيرة إلى خطوات صغيرة، استعمال تذكيرات بصرية، تقليل الفوضى في محيط العمل، تخصيص أماكن ثابتة للأغراض المهمة، أخذ فترات راحة قصيرة، وطلب تقييم مهني عند تأثير الأعراض في الدراسة أو العمل أو العلاقات أو الصحة النفسية.
يصبح طلب المساعدة مهماً عندما لا يكون التشتت أو النسيان مجرد لحظات عابرة، بل نمطاً متكرراً يسبب خسائر واضحة: تأخر دائم، توتر في العلاقات، تراجع في الأداء، صعوبة في رعاية الذات، أو شعور مستمر بالفشل رغم بذل مجهود كبير. كما يجب طلب الدعم بسرعة عند وجود اكتئاب، قلق شديد، أفكار إيذاء الذات أو صعوبات تمنع ممارسة الحياة اليومية بشكل طبيعي.
ADHD عند النساء ليس موضة جديدة ولا عذراً جاهزاً، بل اضطراب حقيقي قد يُساء فهمه بسبب صور نمطية قديمة. كثير من النساء لا يظهرن فرط حركة واضحاً، لكنهن يعشن تشتتاً داخلياً، تنظيماً مرهقاً، وإخفاءً مستمراً للأعراض. كسر الصورة النمطية لا يعني توسيع التشخيص بلا ضوابط، بل يعني فتح الباب أمام تقييم علمي عادل، وفهم إنساني يساعد النساء على الحصول على الدعم المناسب في الوقت المناسب.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
